Saturday, December 16, 2017

حزب العمل الإسرائيلي: الظل الباهت لليمين



تقريرمنشور على موقع شبكة رؤية الإخبارية، اضغط هنا للانتقال
    بعد فوزه برئاسة حزب هعفودا (العمل) توجه آفي جفاي مع ابنه إلى حائط المبكى (حائط البراق)، ثم أعلن أن القدس ستظل دائما عاصمة إسرائيل.

    جاء تصريح جفاي تماشيا مع تصريح سابق له قبل فوزه برئاسة الحزب، حيث أعلن تمسكه بالقدس، وأوضح أن المهم هو قلب المدينة ممثلا في حائط المبكى، فالقدس هي بمثابة رمز للإسرائيليين، لا يمكن التفريط فيه، رغم أنه صرح أن القدس ليست كلها للإسرائيليين، لذا يوافق على منح الفلسطينيين السيطرة على بعض المناطق المحيطة بها.
        القدس الإسرائيلية أهم من السلام:-
    بعد إعلان الرئيس الأمريكي ترامب عن نيته نقل سفارة الولايات المتحدة لدى إسرائيل من تل أبيب إلى القدس باعتبارها "عاصمة" لإسرائيل، سارع جفاي بإعلان تأييده لقرار ترامب، وأعرب عن سعادته الشديدة للقرار الأمريكي المنفرد، باعتبار أن هذا القرار يتماشى مع "رغبة 98% من الإسرائيليين"، فالقدس بالنسبة لهم رمز ديني وسياسي لا يمكن التفريط فيه، ويجب أن تكون موحدة تحت سيطرة إسرائيل، فالقدس الموحدة أهم من السلام مع الفلسطينيين.

حلم الآباء: -
    صرح جفاي أن إعلان ترامب قد جاء ليحقق "حلم والديه" اللذين هاجرا من المغرب في خمسينيات القرن الماضي، ودعا إلى عدم اعتبار الأمر سياسيا بالدرجة الأولى، فالقدس بالنسبة له وللإسرائيليين أكبر من كونها عاصمة سياسية، ولم تكن أبدا في مجال النقاش أو التفاوض، ودعا دول العالم كافة للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
    واقتبس جفاي مقولة الزعيم الأسبق لحزب العمل يتسحاق رابين حين قال: "إذا أخبرونا أن ثمن السلام هو التنازل عن القدس الموحدة تحت سيادة إسرائيل سأجيبهم: لا نريد سلاما".
ديمقراطية الإقصاء: -
    وتطرق جفاي إلى تصريحات عضو الحزب زهير بهلول، معتبرا أن ما قاله الأخير يندرج تحت تصنيف الخلافات الديمقراطية في الرأي، لكن بالنسبة لموضوع القدس "لا رأي آخر"، وكان بهلول قد أعلن رفضه لقرار ترامب، واعتبر أن رئيس حزبه آفي جفاي قد تحول إلى عضو بالليكود أكثر منه زعيما لحزب العمل.
    بينما قال جفاي أن تصريحات زهير بهلول لا معنى لها أمام توجه 23 عضو كنيست عن المعسكر الصهيوني لا يختلفون جميعا عن فكرة القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل.
    وكان "بهلول" قد أثار غضب "جفاي" حين رفض المشاركة في الاحتفال بالذكرى المئوية لوعد بلفور، وتواترت الأنباء أن رئيس حزب العمل قد قرر استبعاد بهلول من المشاركة في انتخابات الكنيست القادمة ضمن قائمة حزب العمل، والسبب من منظور جفاي أنه "سأم من مثل هذا التطرف".
        البديل الباهت لليكود:-
    في المقابل هاجم زعيم حزب ميرتس إيلان جيلئون تصريحات جفاي معتبرا أنه قد حول حزب العمل إلى مجرد فراغ أيديولوجي، مضيفا أنه يهدم أية فرصة لاتفاق سلام مستقبلي، ليتحول حزب العمل إلى بديل باهت لحزب الليكود اليميني.
        اليسار الإسرائيلي في بوتقة اليمين
    

     مع فوز آفي جفاي برئاسة حزب العمل الإسرائيلي تحولت الأنظار إلى اليسار الصهيوني مجددا، باعتبار أن جفاي ربما يقود حزب العمل ليتصدر المشهد السياسي الإسرائيلي مجددا، كما ظهرت بعض الرؤى الحالمة التي تستشرف مستقبلا سياسيا يتبلور على أيدي المعتدلين من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وألبست هذه الرؤى جفاي عباءة القائد اليساري الذي يستطيع أن يضع يده في يد نظيره الفلسطيني ليشكلا معا خارطة طريق للسلام تدوم هذه المرة.
     بأريحية كبيرة؛ يمكن اعتبار هذه الرؤى والتوقعات محض سذاجة سياسية، وقصر نظر متناه، لأن مفهوم اليسار في إسرائيل أبعد ما يكون عن المفهوم العالمي لليسار المعارض في أي محيط سياسي آخر، ناهيك عن تراجع اليسار في كثير من الأنظمة السياسية في العالم في مقابل المد المتنامي لقوى اليمين المتشدد، وارتفاع أصوات "القوميات" المعتمدة على إرث ثقافي أو سياسي، علاوة على صعود نجم القيادات السياسية التي تحمل أيديولوجيات أقل ما توصف بأنها "غريبة الأطوار".
    على الجانب الآخر؛ لم تكن الهالة الإعلامية التي صاحبت فوز آفي جفاي خادعة للمراقبين، رغم التضخيم الذي صاحب فوزه على عمير بيرتس واعتبار ذلك بارقة أمل جديدة وفقا للأوساط الإعلامية المحسوبة على اليسار.  
   بعيد فوزه برئاسة حزب العمل أدلى جفاي بعدة تصريحات سياسية لا تختلف في مضامينها عن مجمل ما يعلنه اليمين الإسرائيلي الحاكم، ابتداء من وصف الاستيطان بأنه "الوجه الجميل للصهيونية"، مرورا برؤيته لضرورة استمرار سيطرة إسرائيل على منطقة غور الأردن، وهي الرؤية ذاتها التي تحدث عنها رئيس الوزراء اليميني نتنياهو الذي اعتبر غور الأردن بمثابة حزام دفاعي لإسرائيل لا سبيل للتخلي عنه.
   رفض جفاي إخلاء المستوطنات الإسرائيلية، كما كرر التصريح الممجوج ذاته بأنه "لا يوجد شريك فلسطيني لمفاوضات التسوية"، كما دعا إلى تقوية جيش إسرائيل، وإلى توصيل رسالة مفادها أن إسرائيل دولة قوية ويجب أن يخاف منها العرب.
    أعلن جفاي صراحة رفضه الشراكة السياسية مع القائمة العربية المشتركة إزاء استعداد حزبه لمواجهة الليكود في أية انتخابات مقبلة، وذلك بسبب غياب الأرضية المشتركة بين الطرفين، في الوقت الذي يتحالف فيه حزب العمل مع "فلول" اليمين المعروفة في تكتل المعسكر الصهيوني، وفي هذا الإطار أكد على وجود تسيبي ليفني كحليف استراتيجي له، وهي التي خرجت من عباءة الليكود اليميني لتؤسس حزب هتنوعا (الحركة).
    ذهبت معظم التحليلات السياسية إلى أن جفاي في مسعاه لتعديل وضعية حزب العمل يتزلف لناخبي اليمين الإسرائيلي، وليس في توجهه غرابة أو تجديدا، فأسلافه في حزب العمل لم تختلف توجهاتهم عن هذا النسق العنصري، لكن المشكلة هي أن البعض ما يزالون على عقيدتهم بتصنيف اليمين واليسار والوسط، رغم التأكد يوما بعد يوم أن هذا التصنيف لا يصلح لوضعية الأحزاب الإسرائيلية.
     ليس "جفاي" الزعيم الوحيد الذي يتلفع بمواقف يمينية ليحاول الوصول إلى رئاسة الوزراء الإسرائيلية، لكن نفض التوجهات اليسارية بمثابة دستور عام لدى رؤساء الأحزاب في إسرائيل، لدرجة أنه لا يمكن الوصول لاختلافات واضحة بين أيديولوجيات رؤساء أحزاب الليكود بزعامة نتنياهو، والعمل بزعامة جفاي، وييش عاتيد بزعامة يائير لابيد، ويظل حزب ميرتس وحيدا دون تأثير يُذكر على الساحة السياسية.

Sunday, December 10, 2017

الحريديم في إسرائيل.. يحصلون على مكاسب جديدة ليوم السبت


 

منشور على موقع شبكة رؤية الإخبارية، اضغط هنا للانتفال

صادقت الحكومة الإسرائيلية يوم الأحد الماضي على مشروع قانون "البقالة"، وهو مشروع القانون الذي يمنح الصلاحيات لوزير الداخلية  الإسرائيلي لإلغاء القوانين المساعدة للبلديات بما يؤدي إلى غلق محلات تجارية وأكشاك بيع في يوم السبت.
لا يحول مشروع القانون دون فتح المحلات التجارية في مدينة تل أبيب، ولكنه يهدف لمنع فتحها في البلديات الجديدة في أيام السبت.

  جاء التصويت على مشروع القانون بموافقة عشرة وزراء، في مقابل معارضة وزير الدفاع أفيجادور ليبرمان وسوفا لاندفير وكلاهما عن حزب يسرائيل بيتينو، بينما امتنع عن التصويت يوآف جالانت عن حزب كولانو.
يأتي مشروع القانون بعيد الأزمة التي نشبت في الائتلاف الحكومي الحاكم في إسرائيل بين حزبي الليكود وتكتل الأحزاب الدينية الحريدية على خلفية العمل بالسكك الحديدية في أيام السبت، حيث تم التبليغ بأن شركات تمولها الحكومة الإسرائيلية  تقوم في أيام السبت بأعمال حفر أنفاق للقطار في تل أبيب، كما نفّذت شركة القطارات أعمال صيانة على السكك الحديدية،  وانتهت الأزمة باستقالة الوزير يعقوب ليتسمان من وزارة الصحة، وهو زعيم حزب "يهدوت هتوراه" الحريدي، لكن تم الاتفاق على عدم خروج الحزب من الائتلاف الحكومي.

خلال مناقشة مشروع قانون البقالات صرح وزير الداخلية أرييه درعي زعيم حزب "شاس" اليميني أنهم يريدون الحفاظ على الوضع الراهن والحيلولة دون اعتبار السبت يوما تجاريا، لأنه يوم مقدس، فلا يمكن فتح المحلات التجارية في أنحاء البلاد، ويكفي فقط الحفاظ على الوضع الراهن باستثناء مدينة تل أبيب من قانون حظر فتح المحلات.

ليبرمان ولابيد أبرز المعارضين:-
من أبرز المعارضين لمشروع القانون وزير الدفاع أفيجادور ليبرمان  الذي أعلن رفضه لمشروع القانون وأكد أن القانون يجب أن يأخذ في الاعتبار التركيبة الاجتماعية لكل تجمع سكاني في إسرائيل، فلا يمكن إغلاق المحال كليا يوم السبت في منطقة ذات أغلبية علمانية، فالجميع يحتاجون لشراء لوازمهم في أي يوم.
كذلك أعلن اعتراضه على مشروع القانون رئيس حزب "يش عاتيد" عضو الكنيست يائير لابيد حيث اعتبره مشروع مهين آخر يتم إقراره بإكراه ديني تحت رعاية الاتفاق السياسي بين نتنياهو والحريديم، وأضاف: "مجددا نخلق انقساما بدلا من حوار حقيقي حول السبت الإسرائيلي".
اجتماع جديد بشأن كرة القدم:-
من المقرر أن يعقد اجتماع جديد بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وبين رؤساء الكتل الحريدية في الحكومة الإسرائيلية لمناقشة مسألة إقامة مباريات كرة القدم في أيام السبت، وهي المسألة التي يعارضها الحريديم بشدة باعتبارها "تدنيس لحرمة السبت".
لكن من المتوقع أن يتفاوض نتنياهو مع زعماء الحريديم لأجل السماح باستمرار منافسات كرة القدم يوم السبت باعتبارها أمرا اعتادت عليه الجماهير الإسرائيلية، خصوصا وأن العديد من اللاعبين ومسئولي لعبة كرة القدم في إسرائيل قد شنوا هجوما لاذعا على الحريديم بسبب دعواتهم لإيقاف اللعب في أيام السبت، لأن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة يمارسها عدد قليل من اللاعبين، بل أصبح عدد اللاعبين بالمئات، ناهيك عن المسئولين وآلاف الجماهير والمشجعين الذين أصبحوا جميعا في مرمى نيران الحريديم بتهمة تدنيس السبت.
الحريديم في إسرائيل: تاريخ من الابتزاز السياسي:-
ليس خافيا على أحد ما يقوم به الحريديم في إسرائيل باستغلال مسائل خلافية مثل شريعة السبت من أجل ابتزاز الحكومات الإسرائيلية كي يتحصلوا على امتيازات جديدة، وبالطبع حققت الأحزاب الحريدية مكاسب كبيرة  بعد الائتلاف الحكومي مع حزب الليكود برئاسة نتنياهو، فقد أثمر أسلوب الابتزاز والضغط الحريدي عن إلغاء قوانين وسن أخرى وتخصيص ميزانيات للوسط الحريدي على مختلف المستويات، فعلى سبيل المثال ارتفعت ميزانية المدارس الدينية إلى ما يقرب من 1.2 مليار شيقل إسرائيلي، مقارنة بميزانية قدرها 673 مليون شيقل في العام 2014، كما تمكنت أحزاب الحريديم من إلغاء قانون فرض تعليم المواضيع الأساسية في المدارس الدينية، من أجل التركيز على التعليم الديني، هذا بالإضافة إلى ضمان دخل ثابت من الدولة يتحصل عليه طلاب المدارس الدينية.
لم تكن العلاقات المتوترة بين المتدينين والعلمانيين في إسرائيل وليدة الوقت الحالي، لكنها تعود إلى ما قبل 1948، وعلى مدى العقود تطفو على السطح مشكلات يثيرها الحريديم تتعلق معظمها بتدنيس يوم السبت، ومعايير الطعام الحلال (الكاشير)، وقوانين الأحوال الشخصية لليهود، وكذلك وضع المؤسسات التعليمية الدينية اليهودية.
بسبب تعصب الحريديم تجاه هذه القضايا وقعت حوادث كثيرة وصدامات بين الحريديم والمجتمع الإسرائيلي، فقد تم إضرام النار في سيارات كانت تسير في القدس يوم السبت، كما هوجمت محلات بيع طعام بحجة أنها لا تبيع الحلال وفقا للشريعة اليهودية، كما أن الحريديم قادوا حربا شرسة في أواخر عام 1959 ضد حمام سباحة في القدس، وأطلقوا عليه "حمام الرزيلة" رغم أنه افتتح في حي علماني بالأساس.
استدعت هذه التحركات اليمينة المتطرفة من المجتمع العلماني الرد عليها، فحدثت عدة صدامات بين الطرفين، كما شهدت حقبة الستينيات من القرن الماضي مواجهة كبيرة حول قضايا الدين والدولة تحولت للمرة الأولى إلى ساحات القضاء.
صعود التيار الديني إلى الحكم:-
استمرت المواجهة بين المتدينين العلمانيين حتى عام 1977، فقد شهد هذا السابع عشر من مايو في هذا العام انتخابات الكنيست التاسعة التي أوصلت التيارات الدينية إلى الحكم للمرة الأولى عن طريق دخولها في تكتلات ائتلافية مع حكومة اليمين بزعامة الليكود، وبدأت الكتل الدينية منذ ذلك الوقت تضع شروطا لانضمامها في أي ائتلاف حكومي، وهذه الشروط  تتركز في مجموعة امتيازات تبتز بها الجماعات الدينية الحزب الحاكم لتحقق مصالح كبيرة تساعدها على تعزيز وجودها الاجتماعي والتعليمي في إسرائيل.