Saturday, October 27, 2012

مصر بين التجريف والتجهيل



بعيدا عن الفساد والظلم والتسلط والديكتاتورية وغيرها مما تفشى في عهد مصر مبارك؛ إلا أنه لم ينجح في شيء قدر نجاحه في تجريف الشخصية المصرية، وتجهيل الشعب، فمن أعظم مفاسده على الإطلاق تعمده إبعاد وإقصاء ودفن القيادات الشابة والموهوبين والمخلصين والوطنيين من المصريين عن المواقع التنفيذية والقيادية والعلمية والثقافية والجماهيرية.
في المقابل اتبع مبارك ونظامه منهجا جاسوسيا مُدمرا لأوصال الدولة بتنصيب الفاسدين والمتلونين وأصحاب النفوذ والسلطة في المناصب والمراكز القيادية في كل أرجاء الدولة، فبإضافة إلى كونهم وصوليين وانتهازيين وطامعين في لحم الوطن ورزق المواطن؛ كذلك ظهرت واضحة للعيان أمارات  كسلهم وفشلهم في العمل والإدارة والتفكير، فوصلنا إلى حال يندى لها الجبين من الفساد والتخلف والبيروقراطية.
على جانب آخر نجح مبارك بجدارة في مسعاه نحو تجهيل الشعب المصري بكل طوائفه، والتجهيل لم يكن قاصرا على فئات بعينها تشيع بينها الأمية والفقر، بل شاع الجهل في جميع الأوساط الشعبية وعلى جميع الأصعدة، بداية من الفلاح الأمي وصولا إلى أساتذة الجامعات.
واستند النظام البائد في إشاعة الجهل إلى مجموعة من الأدوات التي استغلها بمهارة شياطين الإنس، بداية من تجويع الشعب، ليبحث فقط عن قوته بدلا من غذائه الروحي وثقافته، مرورا بتقييد كل محاولة للإبداع والثقافة، بل أية محاولة متواضعة للتفكير والبحث والتنوير، معتمدا في ذلك على منظومة متشابكة من الأسلحة التي أصابت العقل المصري في مقتل، حيث تعمد النظام المباركي - ومن قبله الساداتي - إهمال التعليم، والتفرقة بين طوائف الشعب تبعا لمستوى سلطة كل طائفة، وربط أمن المصريين بخنوعهم للحاكم، وكبت كل مساعيهم نحو تطوير أنفسهم ماديا واجتماعيا وفكريا وثقافيا.
هذه الشبكة العنكبوتية نتاج تجريف العقل المصري وتجهيله لم تستطع أن تخترق جماعات الشباب المصريين الذين انفتحوا - رغما عن السادات ومبارك - على العالم الخارجي، فلم يعد بإمكان أي حاكم ديكتاتور أن يغلق على أبناء شعبه كل المنافذ والأبواب، ولم يعد باستطاعته وضعهم جميعا في قمقم واحد، فيخرجهم متى يريد ويحبسهم متى يشاء.
وحينما تطلع هؤلاء الشباب على العالم وما يجري فيه نظروا إلى أنفسهم وأهليهم مليا، فتبادر على الفور سؤالهم عن مكانة مصر بين بلاد العالم، أين هي من العالم الحر، أين مصر التي ما خضعت لمُحتل، أين هي من العالم المتحضر، أين هي من الفكر والثقافة والعلوم، أين خيراتها ونيلها ومنابع أرزاقها، أين تراثها وحضارتها العريقة الآن، أين عقول أبنائها وسواعدهم، أين أزهرها الذي أنار العالم بالإسلام الوسطي الذي ينفع الناس، أين هي من التسامح والحميمية؟! و الإجابة عن كل هذه التساؤلات هي ثورة 25 يناير.
تفاءلنا كثيرا وحلمنا بمصر الجديدة، غير أننا لم نتعلم من أخطاء الماضي، فلم نلفظ الماضي الكئيب برمته، أخطأنا حين تنازعنا ففشلنا فذهبت ريحنا، وأخطأنا أكثر حينما بدأنا نضع أساس الدولة الجديدة فوق ركام الدولة العميقة، ربما ظن البعض أن أشباح الماضي لن تظهر مجددا فتخيفنا وتدمر حلمنا، وهذا الظن المبني على حسن نية ساذج هو ما أدى بنا إلى هذه الحال.
من قام بالثورة مصريون استطاعوا الهروب من مقصلة تجريف العقول وتجهيل الشخصيات، غير أنهم سلموا كل ثورتهم بمنجزاتها لأولئك الذين كانوا عماد النظام المباركي البائد، بحكومته ومعارضته، هذا النظام الذي ولّد لنا مسخا يطاردنا حتى الآن.
بعد ما يقرب من عامين على الثورة ما يزال المفكر الذي ينورنا هو نتاج نظام مبارك، ما يزال العالم يُنظّر لنا بعقلية مبارك المُجرفة، انظر إلى من يتصدرون المشهد الآن، المشهد بكامله، انظر إلى الحكومات المتعاقبة بعد الثورة، انظر إلى عقليات الساسة والخبراء والمفكرين الذين يتولون أمرنا ويقودونا ويحتلون حياتنا، في الشارع ، في وسائل الإعلام، في المناصب، في الحكومة، في المعارضة، للأسف ستجدهم نفس الشخصيات الوصولية المتنطعة التي لعب نظام مبارك في عقولها، تكتشف مدى خوائهم الفكري وانتهازيتهم السياسية وجهلهم الديني وتلونهم الفاضح.
إلى الآن بعد كل ما بذله مصريون طاهرون من أجل مصر منذ اندلاع الثورة يقودنا ساسة منافقون، حكومات ديكتاتورية مستبدة، معارضة حنجورية بلا فعل، مُدعين دين جهلة يتذرعون بحكمة زائفة وتدين شكلي، مجموعات من المتنطعين على شاشات التلفاز وصفحات الجرائد يدعون الحكمة والعلم والدراية يخدعون أنفسهم بالبزات الأنيقة أو الرداء الأبيض وزبيبة الصلاة، ويختفون وراء شعارات زائفة.
أيها السادة؛ نظام مبارك لم يسقط، رجال مبارك لم يرحلون، فقط وضعنا الديكتاتور في مستشفى السجن، وتركنا آله وزمرته وجحافل زبانيته يمرحون في الأرض بغير الحق، فإذا كنتم تبغون مصر الجديدة حقا فعليكم أولا أن تلفظوا هؤلاء جميعا، فقد وضح جليا الآن أنه لا فارق بين نظام مبارك والنظام الحالي إلا في الشكل الخارجي، بيد أن الأسلوب هو نفسه، والعقلية هي ذاتها،  فهؤلاء جميعا نتاج منهجية التجريف والتجهيل.

Thursday, October 04, 2012

إسرائيل كدولة عربية


سلمان مصالحة يكتب: إسرائيل كدولة عربية
مقال منشور في صحيفة هآرتس الإسرائيلية بتاريخ 23/ 09/ 2012
                   ترجمه من العبرية إلى العربية: محمد عبد الدايم هندام
                                    
يتناول كاتب المقال قضية التفرقة بين اليهود والعرب في الداخل الإسرائيلي واستخدام إسرائيل للسلطة للتدخل في المنظومة الإعلامية بشكل فج يشبهه بما يحدث في الدول العربية ذات الأنظمة الشمولية، كما يتطرق لقضية أسرلة (من إسرائيل) فلسطيني إسرائيل.

رابط المقال:

منذ سنوات طوال؛ حينما كنتُ طالبا في المدرسة الثانوية، اكتشفتُ أن إسرائيل هي في المُجمل دولة عربية أخرى في المنطقة، على الأقل فيما يتعلق بتعاملها مع المواطنين العرب فيها، ومنذ ذلك الوقت وأنا متمسك برأيي، واحتقرتُ الأنظمة في البلاد العربية وتغيرت بالتالي علاقتي بإسرائيل العربية.
في العالم العربي؛ خلافا لما يجري في إسرائيل اليهودية الديمقراطية، لا يتحدثون عن أزمة الصحافة في العصر الرقمي، في هذا السياق؛ لا يلعب اقتصاد السوق أي دور في هذا الشأن على الإطلاق، وأغلب الصحف العربية ، سواء التي صدرت قبل "الربيع" (أي ما يسمى الربيع العربي) أو بعده، تتلقى دعما ماليا حكوميا، وتشكل بوقا للسلطة، وهنا على سبيل المثال حينما جاء في الجوار زعيم جديد في مصر حدث أن تم تغيير محرري الصحف، المسألة بسيطة للغاية.
أنا مضطر لاستعارة مُسمى"إسرائيل العربية"، في أعقاب الدعوة التي نشرها قسم البرامج العربية في الإذاعة الإسرائيلية، وفيها يطلب أن يُقدَم له اقتراحات بأفلام وثائقية بمناسبة يوم الاستقلال (ذكرى نكبة فلسطين) الخامس والستين لدولة إسرائيل، وقد جاء في الإعلان أن الأفلام يجب أن تكون "متوافقة مع أهداف البث الجماهيري بالعربية". لم نتعلم أن البث الإذاعي الجماهيري "بالعربية" له أهداف خاصة مختلفة، ووردت المواضيع المطلوبة بالتفصيل على موقع الإذاعة، وهي: "القدس - المدينة التي تجمعنا معا" و"إسرائيل كدولة هجرة". وإذا كان أحد لديه أي شك؛ فإليكم عنوان آخر يضمن وجود أفلام جذابة: "إسرائيل تريد سلاما" و"مشاهير الإسرائيليين واليهود"، والذي يحكي للمشاهد العربي عن إسهاماتهم للبشرية. بل إن الإذاعة تبحث عن أفلام تعرض "مواقع تاريخية في الأرض المقدسة والارتباط الإسرائيلي بها". هذا كي لا يأتي أحد ما، حاشا لله، ويحكي عن مواقع مهمة للعرب، حتى إذا كانوا مواطنين "متساوين في الحقوق"، مثل مقال الدعاية الصهيونية، والفيلم المُنتج أيضا من المفترض أن يتناول الحديث عن المسجد الأقصى، أو عن مدينة الرملة في عصر الدولة الأموية - والآن إلى أين نحن متجهون؟
"إسرائيل العربية"، هذا ما اكتشفته في مرحلة المدرسة الثانوية، لا تختلف كثيرا عن إسرائيل اليوم، فقد أتخمونا لسنوات في المدرسة بأشعار استقلال إسرائيل، باعتبارنا تلاميذ عرب اضطررنا لأن نغني بمناسبة يوم الاستقلال (النكبة) أغان تمجيد لدولة إسرائيل، وهاهي ترجمة بتصرف للأسطر المحفورة تماما في ذاكرة أبناء جيلي: "في عيد استقلالنا صدحت العصافير بالغناء. وغمرت السعادة أرض الوطن - سواء في السهل أو في الوادي - سواء في القرية أو في المدينة". وبطبيعة الحال صفقنا في جميع الأنحاء، سواء في السهل أو في الوادي، حتى حكمتنا السلطة العسكرية.
شارك معلمون ومشرفون عرب في البرامج الدراسية، ولكن في الحقيقة لم يكن تعيين السلك التدريسي مسئولية المنظومة التربوية المدنية، وإنما مسئولية المنظومة الأمنية التي تقف خلف القلاع وتسمح أو ترفض التعيينات، وكل هذا كي "كي تعلم كل أم عربية أنها أودعت مصير حياة أبنائها في أيدي المُعلمين الأصلح لهذا الأمر" أتمنى لتلك الأيام أن تمر بلا عودة.
كما أنني أخطأتُ حينما كتبتُ قصائد في المرحلة الثانوية. كنتُ أراسل البرامج الأدبية في إذاعة صوت إسرائيل بالعربية، وكانت القصائد مقروءة. وذات يوم تلقيتُ خطابا من الإذاعة، وفيه طُلب مني أن أؤلف قصائد لتُلقى بمناسبة يوم الاستقلال (النكبة)، وهكذا اكتشفتُ "دولة إسرائيل العربية"، وهكذا انقطعت العلاقة بيننا.
حينما أقرأ مقترحات الأفلام التي تطلب شبكة الإذاعة إنتاجها الآن أثق أنني لا أخطئ بقولي أن: "إسرائيل العربية" ما تزال حية وتركل. حان الوقت كي تنتهي هذه التهديدات السلطوية المماثلة للسلطوية العربية.

Saturday, September 29, 2012

صفعة على وجه الولايات المتحدة



رؤوفين باركو يكتب: صفعة على وجه الولايات المتحدة
مقال منشور للصحفي الإسرائيلي اليميني المتشدد في صحيفة "يسرائيل هايوم" يوم 24/ 09/ 2012
رابط المقال:

ترجمه من العبرية إلى العربية: محمد عبد الدايم هندام

خلال زيارة البابا للبنان مؤخرا؛ قدّم الفاتيكان حالة هذه الأرض التي تنزف كمثال عالمي للتعايش المشترك بين الأديان، وجاء توقيت الزيارة في وقت تتصاعد فيه تحركات المسلمين ضد المسيحيين في منطقة الشرق الأوسط، بما فيها حرق الكنائس، والتي أدت إلى موجة هجرة للمسيحيين من الدول العربية، متخليين عن ثرواتهم وممتلكاتهم.
في الفترة الأخيرة تبنت الحكومة الإسرائيلية قرارا بضمان حقوق اللاجئين اليهود القادمين من البلاد العربية كشرط  لحل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، فمصير المسيحيين يبرهن الآن تحديدا على جدية العرب، ويشير إلى هدفهم من الحكمة العربية القديمة "نبدأ مبكرا يوم السبت وننتهي يوم الأحد". نعم، ففي البداية نفّذ العرب مذبحة بحق اليهود العرب الذين هربوا وأصبحوا لاجئين في إسرائيل بعدما تم نهبهم، والآن جاء الدور على المسيحيين لتتم إبادتهم خلال الربيع الإسلامي.
يعكس انتقال الدول العربية من النظام الديكتاتوري إلى حكم الشريعة شكل علاقة الوصاية على "أهل الذمة" المسيحيين المتمثلة في "الاستعداد" الإسلامي لحمايتهم والحفاظ على سلامتهم، ويثير هذا الأمر غضبا في صفوف قادة المسيحيين خلال حربهم الشعواء من أجل الحصول على الأمن والحق في البقاء، والذي يستند، في منظورهم ، إلى تاريخ الدول العربية. غير أن متطرفي الإسلام يواصلون الزعم بأن العالم المسيحي يدبر مؤامرات مع اليهود، وفي النهاية سوف يعتنق الإسلام.
الأسبوع الفائت في سوريا التي يُذبح مواطنوها بالجملة على يد السلطة ويحاولون مساعدتهم بالدفاع عنهم بالمال والسلاح من العرب؛ اتهم مُفتي سُني فيها أمريكا والغرب بأنهم يدبرون مؤامرات "صهيونية أمريكية" ضد الإسلام ونبيه، وكما هو معروف أن الشيوخ المسلمين لا يسمحون للحقائق أن تهدم قصتهم المُستقاة من مصادر إلهية موثوق فيها، ولم يكف هؤلاء السدنة عن التشهير باليهود باعتبار أنهم يقفون وراء فيلم يسيء إلى مُحمد، رغم نفي ممثلي الفيلم ومنتجه.

ومن قام للدفاع عن أمريكا؟ إنه تحديدا شيخ الجهاد في جماعة الإخوان المسلمين ، الشيخ يوسف القرضاوي، الرجل الدموي الذي يدعو للاعتداءات "خرج من بوتقته" وقرر أنه "لا يجب اتهام أمريكا كلها بالجريمة التي ارتكبها مواطن مجهول ضد الإسلام، فقد تبين الآن أن قيادة الإخوان المسلمين تدرك أن الدول الإسلامية السنية في حاجة إلى الدولارات والقمح الأمريكي من أجل فقراء "الأمة"، وأن أمريكا حاليا هي "الثدي" المُتاح لإرضاعهم. هذا الإدراك هو ما يستند إليه التصريح "الشجاع" للقرضاوي، الذي يدل في الواقع على أن قادة المسلمين باستطاعتهم استنكار الإرهاب الإسلامي العالمي ضد الغرب قبل وبعد 11 سبتمبر 2001، غير أنهم اختاروا تحديدا تشجيع الإرهاب والوحشية.
في حين يقوم قادة الدول العربية من الإخوان المسلمين بالمساهمة المادية، اعتمادا على الغذاء والمعونة الأمريكية من أجل إعادة الإعمار، يحرض شيوخهم بنفاق شرير على مهاجمة الولايات المتحدة. وفقا للحكمة العربية، فيشربون من ينبوع "الربيع" الأمريكي ثم يبصقون فيه، بالتزامن مع "الربيع" العربي. هذا الخليط الكريه أدى إلى وحشية همجية إسلامية ضد سفارات الولايات المتحدة في العالم، أدى إلى مقتل السفير الأمريكي في ليبيا، أدى إلى الإضرار بمصالح أمريكية في الدول العربية والهجوم على قاعدة للناتو في أفغانستان قُتِل جراؤه جنود وتحطمت طائرات تابعة للولايات المتحدة.
يؤمن المتعصبون في منطقتنا وفي إيران ذات القدرات النووية أن الإسلام يهدف للسيطرة على البشرية، ولكن في الوقت الذي يشتد فيه الهجوم بالرسوم المسيئة على الله ومحمد ويحتاجان للدفاع عنهما ووجوب الموت من أجلهما؛  يعبر الغوغاء المسلمين بنجاح عن الثقافة المحببة لـ"الحوار واحترام الاتفاقات والديمقراطية والتقدم". يا للجمال! حينما نعتنق الإسلام سنصبح مثلهم. حقا، وأمريكا الصليبية الناجحة، التي تمثل الإباحية الجاهلية، والجنس والخمر و"الشباب الدائم" إنما هي عائق أمام الإسلام المُعزز. فحياة مثل هذه مُعدة فقط للشهداء في جنة عدن، وأمثال هؤلاء الشهداء يخطون بالملايين نحو واشنطن.
لا يدرك أوباما أن الكراهية الرجعية للمؤسسات الإسلامية والغوغاء تجاه أمريكا إنما هي وحشية تعصب الفاشل ضد الناجح، وهي مرض عضال، ويعبر الاستغلال الساخر للفيلم القديم تحديدا في نفس تاريخ الهجوم على برجي التجارة عن غفلة إدارة أوباما، التي تساهم بلا شروط في استقواء المُكلفين في دينهم بالقضاء عليها، في حين أنها في المقابل غير قادرة على أن تنال علاقة عادلة ومخلصة على الأقل.

Wednesday, September 12, 2012

الإساءة للرسول...والغضب الساطع آت



ليست هذه المرة الأولى التي يُنتَج فيها عمل يسيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في إحدى دول الغرب، ولن تكون الأخيرة، طالما يوجد موتورون متعصبون، وكالعادة حينما يحدث أمر كهذا، ينتفض كثير من المسلمين غضبا، فتخرج مظاهرات ومسيرات، وترتفع حدة الهجوم على الدول الغربية، وتتعالى نداءات مقاطعة المنتجات المستوردة من الدول التي ظهر فيها العمل المُسيء، وغير ذلك من التحركات التي تبدو في ظاهرها تعبيرا عن حب رسول الله والدفاع عن العقيدة، غير أنها أحيان كثيرة تحمل إساءة لأصحابها أكثر ما تدافع عن عقيدتهم منهجهم، مثلما هو الحال إزاء مسألة الفيلم المُسيء للرسول الذي اشترك فيه بعض من أقباط المهجر.
لا أدري لماذا يُصر البعض على عدم الاقتناع بأن الإعلام والفن والرأي في الغرب غير مُؤتمرين بأمر الحكومات، فلا حكر هناك على فكر أو رأي أو مادة ثقافية أو دعائية إعلامية مهما كانت، ومن هذا المنطلق يستطيع أي فرد أو كيان أن يُنتج عملا يتناول فيه أي شيء، ويسيء أو ُحسن إلى أي شيء، إلى حد أن الذات الإلهية نفسها تعرضت للإساءة، هذا كله بعيد عن الحكومات، فلا دخل للإدارة الأمريكية بالفيلم الذي يسيء للرسول، وبالتالي لا دخل للسفارة الأمريكية في مصر، السفارة التي تظاهر أمامها المئات واعتلى أسوارها بعض منهم احتجاجا على الفيلم.
ليس النبي محمد أول الرسل الذين تعرضوا لإساءة في الإعلام أو الفن الغربي، فالمسيح عليه السلام أصبح مادة إعلامية وفنية يفعلون بها ما يحلو لهم، حتى أنهم أظهروه في إعلان يشرب مياه غازية، كل هذه الممارسات لا تستطيع الحكومات الغربية أن تحد منها أو تمنعها، لأنها ببساطة لا تستطيع الحجر على حرية إنسان في أن يفعل ما يشاء.
ليس مطلوبا من الحكومة والساسة الرد على هذه الأفعال، لأنها من جانب أعمال فردية لا تعبر عن توجهات الدول، ولأنها من جانب آخر لا تستحق الرد، فالفيلم أو الكاريكاتير أو الصور أو غيرها من هذه المواد المُسيئة للإسلام والرسول ليست إلا أعمالا همجية من أشخاص متعصبين موتورين من الإسلام لا يستحقون الرد قولا أو فعلا.
يشعر المرء بالحزن والحسرة لأسلوب الدفاع عن الدين والرسل، فالأمر لا يعدو كونه جعجعة بلا طحن، وتصرفات حنجورية جوفاء، تتمثل في الرد على الإساءة بإساءة، والتظاهرات المحلية، والسب والقذف، ومن شدة الأسف أننا أمة إذا غضبت انتفضت فقام أبناؤها بتغيير صورة "البروفايل"، ليتمخض الجبل فيلد في النهاية فأرا. فلا نحن أوقفنا الدعاية المُسيئة للإسلام، ولا عملنا على تحسين صورة الدين الحنيف الذي أسأنا إليه كثيرا بأقوالنا وأفعالنا.
وجد البعض في ظهور الفيلم المُسيء للرسول فرصة ليهاجم المسيحيين في مصر، وينتقد ديانتهم، ولا أرى في ذلك إلا همجية ورعونة وضيق أفق، بالضبط مثل المظاهرات التي تخرج منددة وتحمل شعارات تدافع عن الرسول، والتي تشبه حفل الفنان محمد منير للدعاية لملف مصر في تنظيم كأس العالم 2010، والذي أقيم عند سفح الهرم، وكأننا نقي حفلا في مصر للفوز بصوت أبي الهول مثلا.
الآن بعد ما حدث في القاهرة أمام السفارة الأمريكية، وفي بني غازي أمام القنصلية الأمريكية أصبح كل مواطن أمريكي لم يشاهد ولا يهمه أن يشاهد فيلما تافها أنتجه مغمورون يعتبر أن كل من تظاهر أمام سفارة فقتل أمريكيا أو اقتحم أو حرق علم الولايات المتحدة ووضع بدلا منه علم الجهاد ورفع صورة ابن لادن في ذكرى 11 سبتمبر ما هم إلا إرهابيين بالفطرة، ويا لها من طريقة بشعة للدفاع عن الإسلام والرسول تنقلب لتصبح خنجرا في صدورنا.
الحنجورية والتشدق بشعارات أن الغرب عدو الله والإسلام لا تسمن ولا تغني من جوع، بقدر ما تنقلب ضدنا وتظهرنا أمة الجعجعة والتخلف والشعارات الجوفاء، فقبل أن نتهم الغرب بالإساءة للإسلام يجب أن نتوقف نحن عن إساءة صورة الإسلام وتشويه صورة المسلم المتدين الحق.
يجب أن نعلم إن تجاهل مثل هذه الإساءات يمحوها ويُسفّهها، فنحن فقط من نعطي أهمية للصور والأعمال الفنية والدعائية المسيئة للإسلام والرسول الكريم، ولو تجاهلناها ما لاقت مثل هذا الاهتمام ونسب المشاهدة، يكفي أن تعرف أيها القارئ أن رابط الفيلم المُسيء للرسول على موقع "يوتيوب" والذي ينال أكبر نسبة مشاهدات موجود على قناة تسمى المرصد الإسلامي. فلماذا نعطي الظاهرة ما لا تسحق من الاهتمام والنقد والمشاهدة؟!
بالنظر إلى حالنا يتضح أننا أول المُسيئين للإسلام، نحن أمة لا تعمل، لا تنتج، لا تفكر، لا يتحد أبناؤها، نختلف فيما بيننا، فهذا علماني ، وهذا ليبرالي ، وهذا إسلامي، ولا أعرف حقيقة ماذا تعني كلمة إسلامي، ما أعرفه فقط وأعترف به هو كلمة مسلم، نحن أمة شعارات فقط وصوت عال بلا داع، بلا نتيجة.
بدلا من الغضب الأحمق والتشدق بالشعارات الجوفاء يمكننا أن نكافح الإساءة للإسلام بالعمل، حينما نعمل لننتج ونفكر فنصبح دولة قوية لن يستطيع أحد أن يسيء إلينا، حينما نعمل فنناطح الدول الغربية قوة اقتصادية ودفاعية وعلمية وثقافية وثقل سياسي فلن يجرؤ أحد على الإساءة إلينا، حينما نسعى لتصدير صورة المسلم المتدين حقا سوف نزيل الشكوك ونواجه الإساءة لديننا ورسولنا، كيف ننتظر ألا يسيء أحد إلينا ونحن نعيش في فوضى وجهل وتعصب ديني وتخلف حضاري وثقافي وعلمي، كيف ينتظر ألا يسيء أحد إلينا ونحن اختزلنا الإسلام في بناء مساجد، وإنشاء قنوات ترفع شعارات الدين في حين أنها تنضح بكل ما يسيء للإسلام، ليخرج علينا مُدعي دين يسب هذا ويُكفِر ذاك، وقد ترك مُؤهله الأساسي الذي تعلمه سنوات ليتحول بقدرة قادر إلى "داعية" يُفتي في أي وقت، ويخطب بما يشاء، فيخسر المجتمع الإسلامي مهمته الأساسية كطبيب أو مهندس أو مُعلم أو مُترجم، وفي الوقت نفسه يُبتلى الإسلام برجل دين متعصب يعطي أسوأ صورة للدين، بلا من أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل المخالف له بالتي هي أحسن، فالإسلام ما انتشر بحد السيف، ولا بالصراخ على المنابر ولا في القنوات الدينية التي تزايد وتندد وتُكفِّر وتحصر الدين في نطاق الشكل، انتشر الإسلام لسماحة التجار الذين جابوا بلاد العالم واختلطوا بأهلها بأخلاقيات الدين السمحة الهادئة، انتشر الإسلام حينما أعطينا للعلم أهميته، فظهر الخوارزمي وابن سينا وابن الهيثم ، انتشر الإسلام في غياب الوظيفة المستحدثة "عالم دين"، فالصحابة والتابعين وأصحاب المذاهب كانوا يعملون وليسوا علماء دين يتكسبون من العمل في القنوات الدينية.
لم نسع للعمل على نشر صورة الإسلام السمح، والمسلم المتعلم المثقف الهادئ المتسامح، وإنما رسخنا صورة التدين الشكلي الزائف، حتى لم نكلف أنفسنا أن نقتدي بالدول الإسلامية المحترمة، كماليزيا مثلا، الدولة الإسلامية التي فيها عشرات الأعراق والطوائف الدينية، ولا تشهد فتنة طائفية، في حين أن مادة الديانة في دستورها تقول :"حرية الدين مكفولة للجميع" فقط، ماليزيا الدولة الإسلامية الصغيرة التي شقت طريقها وسط النمور الأسيوية لا تدافع عن الإسلام بالصور والشعارات والقنوات الدينية وغيرها، وإنما تدافع عن الإسلام بالعمل والتقدم العلمي والتكنولوجي الذي تستطيع به أن تنافس الدول العظمى فتجبرها على احترامها ومن ثم احترام الإسلام الحق الذي تستند إليه.
تراخينا كثيرا وسكتنا وعشنا عقودا في الجهل والتخلف والآن نواجه الإساءة للإسلام بشعارات الغضب الساطع آتٍ بجياد الرهبة آتٍ، فنتوعد المُسيء بالعقاب في الدنيا والآخرة، نرفع أصواتنا ونغير صور صفحاتنا الاجتماعية، ونتظاهر، ونحرق أعلام الغرب وإسرائيل، وقد نمنا سنين متجاهلين سرقة أوطاننا، وغرقنا في وحل الظلمات والجهل والتخلف، سمحنا بظهور حكام طواغيت سلبونا حريتنا وأمننا، واعتلوا ظهورنا عقودا، ورجال دين طواغيت زرعوا فينا التعصب، والآن نتهم غيرنا بالإساءة إلى الإسلام والرسول. مالكم كيف تحكمون؟!
قال الله تعالى:"وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ". وقال:" إلاَّ تَنْصُرُوه فَقَد نَصَرَه الله". الإسلام ليس في حاجة إلى الجعجعة بلا عمل،والشعارات الجوفاء والتدين الزائف، والرسول ليس في حاجة إلى نصرة عاطفية شكلية، فقد نصره الله تعالى، الإسلام والرسول في حاجة إلى مسلم قوي بعمله وعلمه وحضارته مستندا إلى دينه القويم الحنيف المُتسامح. استقيموا يرحمنا ويرحمكم الله.