Thursday, May 09, 2013

فضاء التعبير داخل النص الصوفي

نص: محمد حسين بزي
قراءة نقدية: بنده يوسف


النص:

مطويات صوفية (4)

صوم الوصال

عندما يطرز العشق شفاه القمر؛ تبدأ رحلة القُبل الأرجوانية.
مسكين ذلك السالك، ما زال يطير وفي منقاره قفص..!

في ذلك المساء كانت تركض كلّ الجياد، إلا (جواداً) واحداً بقيّ يصهل في مكانه الموقوف منذ أول لقاء.

كانت أمه (مهرة) عربية أصيلة؛ لوحتها شمس مكة بنار بيتها الحرام..
وكانت ذات بهاء خاص، تشد على الرياح إذا ما انحسر لونها وقطم..
وكانت تستعير لون الحكمة المصفوف في الصدور دون السطور؛ وتصبغ به الوقت والخبز إذا ما انعدمت الرؤية إلا عن وجه المحبوب.

وما أن تلوح بارقة غيث حتى تدلف من اللون السماوي لتجمع براحتيها كل المطر؛ لساعة ظمأ وشدة وصلاة.

تلك الشهباء كانت نادرة الفِطام والقمح والمناجاة، وغامرة الحب لآخر قطرة مترشحة من أناملها القمحية.

لله درّ تلك الأم ما أشرفها حرماً وقمحاً وبنفسج..!
وما أعلاها صبراً وحناناً لا ينفطر عن أصله الذي لا زال بكراً..
وما أمضاها سناناً أخرساً إذا ما جدّ النزال في ساح قدس محبوبها.

فهل تراها (هي) من وقف ذلك الجواد في نذورات العشق..؟
أمْ اتخذت منه صوماً لوصال المحبوب..؟

ما أشرف صومها لو كان وصلاً.

عادة ما تموت الأمهات عاشقات..
وغالباً ما يعرجن إذا ما تضوّرن لقمح المحبوب..
فهل سنابل عليّ قد طاولت حتى القمر..؟!
ورسمت شفافه بورد فاطمة الموزع في جنّة حقله لتستقيم علاقة الأرض بالسماء..؟

كلُّ القُبل أرجوانية الآن..
وكلُّ الجهات قمر..
والجواد نذرٌ أوقفه العشق بوقفيّة أمه..
إذ لا نور إلاّ عليّ، ولا جنّة إلا فاطمة.. ولا بينهما إلا هُما؛ محمد.

القراءة:


أشرنا في قراءة سابقة _اللغة الصوفية بين العبث والالتزام_ إلى أنّ اللغة الصوفية إنْ نُزعت من عالمها فهي لغة غامضة، منقوصة الفهم؛ إلاّ أنّها اللغة الوحيدة القادرة على العبور إلى عوالم أدبية لا تعرف عن تجربتها شيء، ولا تعي مدى عمق دلالاتها؛ إلاّ أنّها تدرك ما تحمله هذه اللغة من مساحة عريضة من التأويل، وكم من الرموز والمجاز الذي يُفضي إلى عالم أوسع؛ ربما هو عالم إنساني أقرب وأوسع  إحاطة من المدلول الصوفي الماورائي.

 وبيّنا أنّ واحداً من هذه التيارات وهو التيّار الرمزي الذي اتكأ على هذه اللغة بقوة لما تحمله من وفرة في الإيحاء وسعة في التأويل؛ بغية أن يحقق هدف تياره، هو الابتعاد عن رومانيكية مغيبة للواقع، والخروج من واقعية أفسدت الشعور بجمال ما يكونه الماضي والحاضر من تراث وما يحويه هذا التراث من دين وفكر وفلسفة وتاريخ.

ومطوية " صوم الوصال "  تفتح الباب إلى قضايا نقدية أخرى غاية في الأهمية كــ : الإطار اللغوي داخل النص الصوفي (التعبير عن التجربة الصوفية) الذي لا يتأتي فهمه إلاّ بعد دراسة وفهم للتجربة الصوفية نفسها. وهذا ما أشار إليه ابن عربي بأنّ هناك آليات مسبقة، واستعدادات روحية سبقت الإجهاد العقلي والتخطيط الإنشائي.

وان الاستعدادات الروحية تلك مبنية على عالم ما ورائي؛ مما يجعل النص الصوفي يظل يحمل أسراره الخاصة لفيض هذا العالم وغموضه اللامتناهي. حتى حينما يسعى النقاد لدراسة نصاً صوفياً وفق نظرية دوسوسير ( اللغة : نظام من الرموز تتحدد مدلولات الرموز فيه من خلال العلاقات والاختلافات بين الرموز. والرمز عبارة عن مكونيّن :الدال Signifier والمدلول Signifiedوفي الوقت نفسه يسعون للحفاظ على طبيعة النص الصوفي الماورائية، فإنهم يصطدمون بطبيعة النص التي تفرض التأويل وعدم ثبات الرمز، واحتمالات مدلولاته الفياضة التي ترتفع فوق العلاقات والاختلافات.

وهذا ما يؤكد عليه كثيراً واحد من أنصار المدرسة التأويلية في النقد وهو الإيطالي "إمبرتو إيكو"؛ بأنّ أي نص لا يخلو من تلك الفلسفات الماورائية القديمة " غنوصية، هرمسية، إشراقية، عرفانية ..... " هو عبارة عن فضاء مفتوح  ولغته تعجز عن الإمساك بدلالة محددة، ولولا تأويل القارئ (المؤول) لمات الكاتب وانعدمت قيمة نصه.

ورغم أنّ التجربة الصوفية هي التي فرضت خصوصية هذه اللغة، والتعبير عنها بلغة مميزة ترتفع عن لغة الأدب والسياسة والفلسفة؛ إلا أنّ لغة التعبير نفسها تختلف من تجربة لأخرى، وهذا نراه جلياً في نص صوفي مسيحي وآخر صوفي إسلامي؛ فربما تكون التجربة واحدة، والغاية واحدة من النص المعبر عنها؛  بيد أنّ الرمز المستخدم  متفاوت ومختلف لأبعاد عقائدية وتراثية وثقافية. فرغم أنّ اللغة الصوفية ترتفع عن المنطق العقلي لكونها نتجت عن الذوق الصوفي _تأمل جواني_ الذي يستمد ما يبوح به من عالم ماورائي. إلاّ أنّها أرادت أن تحقق شرعيتها من خلال الاتكاء على النصوص العقائدية والمرويات الدينية والتراثية بعد إخضاعها لحالة من التأويلية تجعلها  قادرة بعد ذلك على حمل فضاء العالم الماورائي. ولذلك نجد أنّ أغلب رجال الشريعة عندما قاموا برفض التصوف كان من تلك الناحية، وهي ما فرده المتصوفة من نصوص لتجربتهم الخاصة، وما قاموا به من تأويل للشريعة؛ فلم يكن إنكاراً للتجربة بقدر ما كان  إنكاراً  للتعبير عنها وتصويغ النصوص لخدمتها.

وهذا الاتكاء على التراث والدين هو الذي أدى لتفاوت النص الصوفي من ثقافة لأخرى، ولولا هذا التفاوت لأقررنا بوحدة المفاهيم والتجارب الصوفية، وهذا يتضح بشكل جلّي حينما نفتش عن جذور تجربة صوفية بعينها؛ فنجدها تتكرر في أكثر من ثقافة (إسلامية، مسيحية، بوذية، مجوسية ...)  مع اختلاف التعبير عنها.

و محمد حسين بزي في مطويته "صوم الوصال"، يكشف عن ثقافته العقلية والروحية الخاصة، وبربطه بين هذا الخاص وبين عالم التصوف؛ يبرهن أنّ لغة العالم الصوفي هي لغة ترتفع فعلاً عن الحدود الضيقة للثقافة الخاصة، ولغة قادرة على العبور بأي أدب إلى فضاء العالم الإنساني الرحب.

فمطويته تتكئ على التأويل لتبوح في البداية بأدب إنساني يستقبله أي قارئ؛ خاصة بعدما جعل لغة مطويته وتعبيراتها من السهل أن يقف عليها أي إنسان في إدراكها، والتذوق من جمالها. وجعلها نصاً سهل العبور إلى أي ثقافة أخرى، على عكس ما اعتادت النصوص الصوفية أن تكون حكراً على مبدعيها ودارسيها. والصورة التي حيكت بها؛ تجعلها من السهل أن تعبر أي مخيلة تفتش عن عالم الجمال والوئام الإنساني، والعلاقات السامية والمشاعر الراقية.

وبعد ذلك يأتي إلى ما أرادت أن تبوح به هذه المطوية من مدلولات وقضايا عرفانية صوفية، غير أنّ الكاتب استطاع ببراعة ألا يعزل هذه المدلولات عن عقيدته وثقافته وفلسفته الخاصة. واستطاع أن يمازج بين الخاص، وهي ثقافته وبين العام وهو رحابة العالم الصوفي.

فالمطوية تتنازع بين تصنيفين: الأول شيعياً (محبة آل البيت النبوي، والبوح عن تلك المحبة)، والثاني: صوفياً (إشارات ورموز تفضي إلى قضايا عرفانية).

فقارئ الوجه الأول لن يشعر بأي اغتراب في عقيدته معها، بيد أنّ المطوية واقعياً استطاعت أن تستخدم الوجه الأول وهو عقيدة وهوية الكاتب الخاصة؛ لتكون بعد ذلك رموزاً تفضي إلى عالم العرفان والعشق الإلهي.

ومبدأ المطوية يشير لذلك صراحة، فهي تبدأ بــ :


عندما يطرز العشق شفاه القمر؛ تبدأ رحلة القُبل الأرجوانية.

مسكين ذلك السالك، ما زال يطير وفي منقاره قفص..!

و بزي هنا يقلد كبار الصوفية حينما كانوا يبدءون نصوصهم بعبارة أو بيت شعر يلخص فلسفة ما سيأتي بعد.

 فنجده في تلك العبارة يشير صراحة للعشق الإلهي وفلسفة الفناء في المحبوب وغايتها الوصل به، ويرمز لذلك بما بين السالك والقمر، وأنّ الوصل بينهما طريقه العشق والقُبل. وأنّ ذلك "العاشق مسكين" طالما ما زال يحمل في منقاره قفص. وهذه المفردة لها فضاء واسع من التأويل في الأدب الصوفي. فالقفص قد يعني جسده فطالما هو يملكه فروحه ثقيلة ولن تستطيع العروج لبيت المعشوق، وهذا ما أصرّ كثيراً عليه مولانا جلال الدين الرومي في حكاياته الصوفية، سيما في المثنوي. وربما القفص يعني متاع الدنيا؛ فلا حب لشيء يجتمع مع حب المعشوق الأعلى، وهذا أشار إليه الصوفية في مرويات عدة كقصة قابيل وحبة القمح التي هوت به كصخرة لعالم أدنى.

 وربما تشير أيضاً إلى عاشق لا يناجي حبيبه، وهنا ما أوضحه المتصوفة إلى قيمة الذكر والمناجاة للوصول إلى الذوق الصوفي ومكاشفة ومشاهدة نور المعشوق في القلب.

ثم يوظف الكاتب بعد ذلك نصاً موحىَ من حكاياتٍ دارت حول الإمام علي وزواجه من السيدة فاطمة الزهراء وزفافها لبيته، وسمو العلاقة التي كانت تجمعهم؛ ليستفيد من هذه العلاقة كرمز لمفاهيم العشق الإلهي.

ومن رمزية الحسين الشهيد سبط النبي، وجواده الذي كان يصهل في محراب الفداء (كثيراً ما يرمز الشيعة للحسين بجوادٍ في معركة يصاحبه راية حمراء) رمزاً لأسمى أشكال العشق وهو فداء الفراشة بنفسها في نور محبوبها. فالشيعة والصوفية من الخط الحسيني يرسمون الحسين سلطاناً للعاشقين. ويعتبرونه الفداء المحمدي الخالص والنافذ. ويستندون على أقواله نفسه؛ في كونه سلطان طريق العشق الإلهي. فيقول في إحدى أشعاره في رمضاء كربلاء:

إلهي تركت الخلق طرا في هواك

وأيتمت العيال لكي أراك

فلو قطعتني في الحب إربا

لما مال الفؤاد إلى سواك.

وهنا يعلن الحسين سلوكهُ طريقَ العشق والفداء بغية وجه المعشوق. ويرمز له الكاتب في مطويته بالجواد (طبعاً دون أي تشبيه أو إسقاط) النجيب الأصل الذي تعلم قواعد وسلوك طريق العشق وخوض الفداء من أمه المهرة ( أيضاً دون أي تشبيه أو إسقاط) العربية الأصيلة ( فاطمة ) التي لوحتها نار العشق وطوق الوصل بالنور الإلهي .


إلا جواداً واحداً بقيّ يصهل في مكانه الموقوف منذ أول لقاء.

كانت أمه (مهرة) عربية أصيلة؛ لوحتها شمس مكة بنار بيتها الحرام.. 

ويستفيد الكاتب من رمزية الحسين ( الجواد ) وما يدور حولها من مرويات بخصوص الفداء والتضحية في طريق العشق الإلهي؛ ليجعلها رمزاً من رموز العشق في مطويته. فبخلاف ثقافته الخاصة؛ ما قام به المنصور الحلاج من تقديم نفسه كقربان على خشبة الفداء الإلهي وتنصيب الصوفية له رمزاً للفداء والشهادة في عالمهم؛ لا يتساوى مع عظمة ما قام به الحسين من تقديم نفسه وأهل بيته وأصحابه قرباناً وفداءً لطريق العشق؛ وبهكذا ينصب الحسين نفسه رمزاً لكل سالكي الفداء والعشق والإلهي.

وهذا ليس بغريب على الثقافة الإسلامية؛ فالعلامة محمد إقبال اللاهوري كثيراًَ ما أشار إلى طريق العشق والفداء في سيرة الحسين. فيقول في ديوانه الأسرار والرموز:

لقد سمعت عما فعله العشق
مع العقل المهووس
وقت الوغى
هو إمام العاشقين
ابن فاطمة البتول
التي نالت مكانة
السرو في حديقة الرسول
فأبوها هو باء بسم الله
وولدها الحسين هو ممثل آية "وفديناه"
(يشير إلى قوله تعالى: وَفديناه بذِبح ٍ عظيم )

وفي شعر آخر يرسم من فداء وقربان الحسين أسمى مظاهر الإنسان الكامل القادر على سلوك طريق العشق محققاً الوصول والوصل، والقادر على حمل رسالة العشق الإلهي. فيقول :-

أنا أبحث عن السهم
 والرمح والخنجر والسيف 
فلا تصاحبني
فمسلك الحسين
 أملي 
قالوا أغلق فمك
 ولا تبح بالأسرار 
قلت كلا:
 فصيحة تكبيري
 هي أملي 

ويصنع الكاتب من علي وفاطمة ( العشق البشري ) عشقاً إلهياً؛ وهذا ليس بالجديد على الأدب الصوفي، فهو تقليد استخدمه كبار شعراء المتصوفة؛ حيث كانوا يستفيدون من حكايات العشق السامية لتكون رمزاً للعشق الإلهي كما رأينا في حكايات يوسف وزليخا عند الشاعر الفارسي عبد الرحمن الجامي، وليلى والمجنون عند نظامي الكنجوي.

وهذه جرأة من الكاتب في هذا التوظيفات التي كثيراً ما ابتعد عنها الشعراء المتصوفة خاصة أن يكون التوظيف لرموزٍ من البيت المحمدي؛ فرغم كمال العلاقات فيه وسموها، إلا أنهم ابتعدوا عنها خشية غضبة الفقهاء عليهم، وتخبط مفهوم العشق لديهم عن ما لدى المتصوفة.

والعشق الإلهي أسمى التجارب الروحية، ولذا تعبيرات لغته تسرح دوماً إلى عالم الأفلاك العلوية. وتقوم فكرته على أساس علاقة بين عاشق ومعشوق، وأنّ العاشق يمثل السالك في درب الطريق الروحاني. ويدفعه دوماً حرقة الشوق لكشف وجه الحبيب والوصال بنور وجهه؛ أن يتحمل سلوك الطريق ومصاعبه ومشاقه.

والشعراء المتصوفة كثيراً ما كانوا يلخصون هذه العلاقة في علاقات ثنائية تفضي في النهاية إلى التوحّد والإتحاد. كالفراشة التي تدور حول نور شمعة؛ تصنع منه معشوقاً لها. ويتحقق فناءها بوصلها كلما اقتربت أكثر من هذا النور؛ إلا أنّ بقاءها نفسه دون هذا الفناء كان يعبر عن الفناء الحقيقي. وأيضاً ما يصنعه البلبل من مناجاة لوردة يعشقها يظل يناجيها بشدوٍ؛ علها تفيض عليه بوصل لقاء الأحبة.

وهذه الحرائق التي يصنعها البلبل على عتبات الوردة من فرط الشوق واتقاد نار العشق في صدره لدرجة أنه يحرق بيادر القمح. يرسمها " بزي " في علاقات ثنائية داخل مطويته؛ كعلاقة الجواد وأرض اللقاء الأول، والمهرة العربية، والبيت الحرام، والشهباء، ( كل من هي ناصعة البياض أرضاً، فرساً، إمرأةً، قلباً ) وقلبها الغامر بالعشق.
كل هذه العلاقات وغيرها يجعلها الكاتب في دائرة رمزين أكبر للعشق وهما علي وفاطمة، ويصنع بينهما علاقة عاشق ومعشوق، وسالك ومحبوب، ويبادل بينهما العلاقة فكلاهما يطوق للآخر، ويفتش عن جنة وصله فيه؛ ليتوحّد العاشق والمعشوق. 
ففاطمة تسلك درب العشق تجاه علي. وللعشق شروط لا بدّ من توفرها في العاشق منها أن يكون أول طريقه حرقة الشوق، وأن يختار كلام حبيبه ومجلسه ورضاه على غيره. ويرسم الكاتب ذلك في عشق فاطمة:

وما أعلاها صبراً وحناناً لا ينفطر عن أصله الذي لا زال بكراً..
وما أمضاها سناناً أخرساً إذا ما جدّ النزال في ساح قدس محبوبها.

فهي ( فاطمة رمز السالك ) من يمنح علي ( رمز المعشوق )  الوفاء والحنان دون مفارقة لسلوك الطريق نحو درب محبته والوفاء له، وتصنع من نفسها سهماً يفديه في معركته بغية أن يبقى وجه محبوبها.
.......
فهل تراها (هي) من وقف ذلك الجواد في نذورات العشق..؟
أمْ اتخذت منه صوماً لوصال المحبوب..؟
ما أشرف صومها لو كان وصلاً.
عادة ما تموت الأمهات عاشقات..
وغالباً ما يعرجن إذا ما تضوّرن لقمح المحبوب..
فهل سنابل عليّ قد طاولت حتى القمر..؟!

وهي تنذر كل ما حولها وأعز ما تملك ( جوادها / ولدها ) وفاءً لدرب معشوقها علي، وتنذر على نفسها الصوم، تبتلاً وانقطاعاً عن جنة غير جنة محبوبها .

وعلي يبادلها سلوك الطريق، فهي جنته وحرمه وقمحه وبنفسجه، وقبلها هي ورد الوصال؛ الذي يغمر جنته، ومناجاتها طريق محبة ووصل بين العاشق والمعشوق، بين الأرض والسماء.

ورسمت شفافه بورد فاطمة الموزع في جنّة حقله لتستقيم علاقة الأرض بالسماء..؟ 

كلُّ القُبل أرجوانية الآن..
وكلُّ الجهات قمر..
والجواد نذرٌ أوقفه العشق بوقفيّة أمه..
إذ لا نور إلاّ عليّ، ولا جنّة إلا فاطمة.. ولا بينهما إلا هُما؛ محمد. 

وهنا يصل محمد حسين بزي في مطويته إلى فصل الخطاب ، حيث يحدد صراحة بأنّ استقامة علاقة الأرض بالسماء، أي العابد بالمعبود، لا بدّ وأن تمر بنور علي في الدنيا، ألا وهي "الولاية" التي هي بالمعنى الأخص "باطن النبوة". وعليه تكون كل القُبل أرجوانية، بمعنى كل ألوان الأرض والسماء مجتمعة، وكل الجهات قمر؛ وهو إشارة للنور المحض الذي يُرى نوره ولا يُدرك كنهه.
و"الجواد" ذلك الفداء المحمدي الحاضر منذ الأزل في "الحقيقة المحمدية" التي ختم بها الكاتب تلميحاً وإشارة؛ إذ لا نور إلا علي، ولا جنة إلا فاطمة، ولكن، ليس بينهما إلا هُما؛ محمد النبي الخاتم، فكل النور محمد وكل الجنة محمد، والكل من محمد (ص).


وبهذا يصنع الكاتب من المطوية نصاً متسامياً متعدد الأوجه؛ فهو يبوح بعلاقة إنسانية سامية، وتوحّد الكون والإنسان والأرض، وما يحمله من تصريح عقائدي يُعبر عن عقيدة وهوية الكاتب الروحية والعقلية، وما يختزنه من فضاء عميق للعالم العرفاني؛ وذلك بما وظفه داخل النص من رموزٍ لطريق العشق الإلهي عبر المعبر المحمدي الخالص

No comments:

Post a Comment