Sunday, October 18, 2020

الذكاء الاصطناعي في خدمة الأمن الإسرائيلي

تقرير: محمد عبد الدايم 

نشر معهد دراسات الأمن القومي بحثًا جديدا بعنوان "الذكاء الاصطناعي والأمن القومي في إسرائيل" من إعداد الدكتورة ليران عنتيبي، الباحثة بالمعهد، والمُحاضرة بجامعة بن جوريون، وكذلك تعمل في أكاديمية الطيران التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي، وهي متخصصة في بحوث الذكاء الاصطناعي، وتقنيات الطائرات بدون طيار والروبوتات، والتكنولوجيا العسكرية، كما أنها حاصلة على درجات علمية في العلوم السياسية والديبلوماسية والأمن.

يقع بحث عنتيبي في 136 صفحة، وتقدم فيه تحليلا موسعا لاستراتيجيات الذكاء الاصطناعي، وتقنيات الاتصالات الحديثة، وتركز على تطوير إسرائيل للتكنولوجيا لتدعيم أهدافها العسكرية والمدنية على السواء، مما جعلها واحدة من الدول الرائدة على مستوى العالم.

فإسرائيل تمتعت مؤخرا بموطئ قدم كبير في حقل الذكاء الاصطناعي، بفضل التوسع في الشركات التكنولوجية الناشئة، ناهيك عن استقطابها لاستثمارات خارجية كبيرة تدشن مشاريع تقنية مكّنت إسرائيل من الوصول لمكانة متقدمة في هذا الشأن.

يكتسب الذكاء الاصطناعي أرضية واسعة تحديدا في مجال الأمن الإسرائيلي والصناعات العسكرية، وبات يمثل موردًا رئيسا للأفكار الحديثة والتقنيات التي تدفع الصناعات العسكرية لتدشين منتجات تعطي الجيش الإسرائيلي والمؤسسات الأمنية الأخرى أفضلية كبيرة في مواجهة التحديات المختلفة، إضافة إلى الاستفادة المعززة من تصدير المعدات العسكرية المعتمدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

القوة التكنولوجية في إسرائيل

أصبحت إسرائيل قوة تكنولوجية ذات حيثية في الشرق الأوسط، لأنها دشنت واحتضنت كثير من الشركات الناشئة أو المبتدئة، المعروفة باسم شركات "ستارت أب" (startup companies)، وفي السنوات الأخيرة ارتفع عدد هذه الشركات بشكل كبير مقارنة بنسبة ارتفاع السكان.

عملت مؤسسات أكاديمية أولا في تطوير تقنيات الاتصالات والإنترنت والذكاء الاصطناعي، ثم سلمت التقنيات إلى هيئات الجيش والمنظومات الأمنية، وهذه الهيئات نفسها تترك بصمتها العسكرية على التقنيات الحديثة، لتحولها إلى معدات تكنولوجية عسكرية تتلقفها مجددا مؤسسات صناعية وشركات إنتاج، فيصير الناتج من المعدات المبتكرة، والتقنيات العسكرية الحديثة توفي حاجات متطلبة للجيش، وتمنح إسرائيل أفضلية كبيرة في سوق تجارة السلاح والمعدات العسكرية.

هذه الدائرة البيئية الصناعية تمثلها إذًا مؤسسات بحثية وأكاديمية وهيئات أمنية وصناعية، وتعمل كلها في تعاون متصل، حيث تخرج الأفكار من المؤسسات البحثية فتمولها الهيئات الأمنية والعسكرية برأس المال، ممثلا في الميزانيات ورؤوس الأموال البشرية، وكذلك البنى التحتية، من أجل تطوير أنظمة برمجة وذكاء اصطناعي تُوجه لصالح الجيش والهيئات الأمنية التي تنقلها للشركات الصناعية لتنفيذها، ثم يستفيد منها الجيش وغيره من كيانات الأمن الإسرائيلي مرة أخرى.

قادت شركات البرمجيات وتقنيات الاتصال التي نشأت في سنوات الثمانينيات والتسعينيات إسرائيل لتتبوأ موقعًا رائدًا في هذا المجال، ومن هذه الشركات:

-          أمادوكس (Amdocs) تأسست عام 1982، وهي حاليا شركة أمريكية، كانت إسرائيلية في الأساس، وتخصصت في تطوير أنظمة البرمجيات المتعلقة بالفوترة وأنظمة علاقات العملاء، وحاليا تقع مقرات هذه الشركة العملاقة في سانت لويس بالولايات المتحدة، وما زالت مكاتب الإدارة في مدينة رعنانا الإسرائيلية، المعروفة بأنها "متنزه" شركات التكنولوجيا والهاي تيك، وتجذب كبريات الشركات العالمية لإقامة مقرات بها.

-          نايس (NICE Ltd) تأسست عام 1986، ومقرها في رعنانا، إلى جانب مقر آخر في نيوجيرسي الأمريكية، وهي إحدى أكبر الشركات المتخصصة في تطوير أنظمة الحوسبة السحابية، وأنظمة تحليل البيانات، وخدمة العملاء ومنع الاحتيال، وتقدم خدمات لعملاء في نحو 150 دولة على مستوى العالم.

-          تشيك بوينت (Check Point Software Technologies Ltd)، وهي شركة تقنيات برمجة نشأت في 1993، وأسسها الأكاديمي المعروف في مجال الهاي تيك وأمن المعلومات شلومو كرامر، وأصبحت تشيك بوينت واحدة من أضخم الشركات الإسرائيلية، حتى أنها صُنفت بالمركز الرابع على مستوى إسرائيل عام 2015 وفقا لمجلة فوربس، ولها مقران، أحدهما في تل أبيب والثاني في كاليفورنيا، وسبق أن أبرمت اتفاقية تعاون مع مجموعة بي تي (بريتش تليكوم) البريطانية المعروفة في مجال الاتصالات، من أجل أن تطور تشيك بوينت قدرات أمنية إضافية للشركة البريطانية العملاقة، ومن بين هذه القدرات تطوير جدران الحماية في التطبيقات، مما يزيد من تأمين بيانات العملاء.

مثل هذه الشركات التي أصبحت قوى عالمية منافسة في مجالات التكنولوجيا والبرمجيات، إضافة إلى تداول أسهمها في أسواق مالية إسرائيلية وعالمية، رسخت مكانة إسرائيل كقوة راسخة في حقل الاتصالات والأمن المعلوماتي وتخزين البيانات، كما شجعت إسرائيل ثقافة ريادة الأعمال، والتي أدت إلى ظهور شركات ناشئة تهتم بالابتكار، وساهمت هذه الشركات بشكل مباشر في تكوين نظام أعمال بيئي تكنولوجي ناجح يعوض النقص الإسرائيلي في الموارد الطبيعية والبشرية، ويمنح إسرائيل تفوقا كبيرا على نظرائها في إقليم الشرق الأوسط.

خلال السنوات الأخيرة حدث تطور كبير على مستوى مراكز الأبحاث التي تقدم أفكارا ودعما تقنيا للصناعات الرائدة وشركات التكنولوجيا العملاقة التي أصبحت تعمل جنبًا إلى جنب مع الشركات الناشئة التي تركز على الابتكار، ففي الأعوام 2014- 2018 ظهرت زيادة كبيرة بنسبة 120% في عدد الشركات العاملة في هذه المجالات، حيث ارتفع عددها من 512 إلى 1150 شركة تعمل أغلبها في تطوير التكنولوجيا الأساسية للذكاء الاصطناعي والتقنيات الآلية، مثل المركبات ذاتية القيادة  كالطائرات بدون طيار وكاشطات الألغام والروبوتات وأجهزة الاستشعار عن بعد ومنظومة الأمن السيبراني.

هذا النمو المتسارع دفع شركة التحليل العملاقة جارطنر (Gartner)  المتخصصة في البحث والاستشارات في مجالات تكنولوجيا المعلومات، والتي أسسها الإسرائيلي الأمريكي جدعون جارطنر ، دفعها في 2017 إلى تصنيف إسرائيل كدولة "رائدة"، حتى إنها سبقت دولا مثل بريطانيا والصين، وفي 2018 حققت إسرائيل رقما كبيرا في نسبة تمويل الشركات العاملة في مجالات تكنولوجيا المعلومات والذكاء الصناعي، حيث بلغ تمويل هذه السوق 25 مليار دولار.

الجيش الإسرائيلي في بداية خط الإنتاج ونهايته

هذه البيئة الحاضنة للتكنولوجيا المتطورة ساعدت في زيادة صادرات إسرائيل من الأسلحة العصرية التي تعمل بتقنيات حديثة وتعتمد على تقليل العنصر البشري في القوات العسكرية، وهذه الميزة التنافسية للصناعات العسكرية ترجع للعلاقة الوثيقة بينها وبين الجيش الإسرائيلي، لاعتماد شركات التقنية والمصانع على الهيئات الأمنية التابعة للجيش في تسريع عمليات البحث والتطوير فالتنفيذ، ومن ثم تعزيز المبيعات في نطاق دولي يتسع يوما بعد يوم.

من المهم الإشارة إلى أن نظام التجنيد الإجباري بالجيش الإسرائيلي، وإقبال المجندين في السنوات الأخيرة على وحدات التكنولوجيا والاتصالات بأسلحة الجيش قد ساعد في تحريك عمليات التحديث المستمر لمنظومة ابتكار المنتجات العسكرية والأسلحة الحديثة، حيث ينخرط المجندون في وحدات البحث والابتكار بالجيش، وبعد تسريحهم يصبحون مؤهلين للعمل في الشركات الناشئة التي تنشط في مجالات التكنولوجيا والاتصالات، مما يمنحهم خبرات أكثر، وأفضلية عن قرنائهم الذين لم ينخرطوا في الوحدات التكنولوجية.

الأجهزة الأمنية الإسرائيلية هي المستفيد الأكبر من هذا التطور الكبير، خصوصا أجهزة الاستخبارات، الموساد وشعبة الاستخبارات العسكرية، حيث أصبحت تمتلك تقنيات حديثة تعطي أرجحية كبيرة لهذه الأجهزة في جمع المعلومات وتحليل البيانات واستخلاص النتائج، مما يساعد في إنجاح الأنشطة العملياتية، مع أقل قدر من الخسائر البشرية، أو انعدامها في عمليات كثيرة.

النطاق الجغرافي الضيق دافع للنمو

بالعودة إلى رعنانا، مركز شركات الهاي تيك والصناعات التكنولوجية،  تجب الإشارة إلى أن وقوع المؤسسات البحثية وشركات التكنولوجيا والمراكز الأمنية في نطاق جغرافي ضيق يعزز التعاون بين الأطراف كافة، فالأمر ليس منوطًا فقط بالتقدم في وسائل الاتصال التي تربط هذه الأطراف بشكل سريع وفعال، وإنما يستلزم التقارب الجغرافي، بما أن كثيرا من التجارب التقنية تعتمد على بنى تحتية تتبع الهيئات الأمنية بشكل كبير، وكذلك يساعد اقتراب المكاتب الحكومية ومقرات الوزارات المختلفة في تسريع الموافقات على الابتكار والتجارب الحية، وفي هذا الوضع تبدو إسرائيل حاضنة لهذا المجال بشكل أفضل حتى من الولايات المتحدة ، فوادي السيليكون الذي يمثل مركز تطوير التكنولوجيا ويحتضن كبريات الشركات الأمريكية العالمية يقع في جنوب خليج سان فرانسيسكو ويبعد مسافة تقترب من 5 آلام كم عن واشنطن العاصمة.

من الابتكار إلى التفوق العسكري والتصدير

هذه البيئة ساعدت إسرائيل على تطوير منتجات تخدم الجيش بشكل خاص، ففي السبعينيات مثلا كان استخدام الطائرات بدون طيار مقتصرا على أغراض التصوير، ولم يحقق الاعتماد عليها في حرب أكتوبر 1973 تفوقا للجيش الإسرائيلي، حيث كانت إمدادًا من سلاح الجو الأمريكي الذي كان يختبر فعاليتها منذ حرب فيتنام، وفي سنوات الثمانينات بدأ الاعتماد على تلك الطائرات في الخداع العسكري وجمع المعلومات، لكن كل هذا لا يُقارن بالتطور الرهيب في الطائرات المسيرة واستخداماتها في سنوات الألفية الجديدة، حيث أصبحت وسيلة أساسية للتجسس وجمع المعلومات الدقيقة للغاية، حتى أن ساعات تحليق هذه الطائرات إبان الحرب الإسرائيلية الثانية على لبنان 2006 قد فاقت ساعات تحليق الطائرات الحربية المقاتلة.                                                 


Sunday, July 12, 2020

بسبب كورونا: الجيش الإسرائيلي على نقالة بالعزل الصحي

- إلغاء تدريبات ضخمة للجيش. - تجميد مشاريع تكلف مليارات الشواقل. - وزير الدفاع ورئيس الأركان ومجموعة ضباط وكتيبة كاملة في العزل الصحي. - وزارة المالية تطلب من الجيش مزيدًا من التقليصات. - الصراع السياسي بين هاليكود وكاحول لافان يؤثر على ميزانية الجيش. - تدريبات لمواجهة صواريخ من غزة أو هجوم من لبنان. قرر رئيس أركانالجيش الإسرائيلي أفيف كوخافي إلغاء تدريب كبير كان من المقرر تنفيذه في سبتمبر القادم، حيث كان من المفترض أن يتلقى الجنود أوامر بخطط التدريب خلال الأيام القادمة، لكن بعد مناقشات مكثفة في هيئة الأركان، وكذلك مناقشات مكثفة مع وزارة المالية، وفي ضوء التخفيضات المالية المتوقعة، التي تركت حالة من الضبابية أمام استعدادات الجيش في المرحلة المقبلة، تقرر إلغاء التدريب. التدريب كان من المخطط أن يكون على نطاق واسع، ليشمل أغلب أسلحة الجيش، المشاة والبحرية والتكنولوجيا بالإضافة إلى شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، أي أنه أحد أكبر التدريبات العسكرية الكبيرة التي كانت هيئة الأركان تجهز لها بمشاركة ألفي جندي من الاحتياط وقوات محاكاة العدو (قوة مهمتها تقليد العدو كجزء من التدريب)، تدريب متعدد الأسلحة لمدة أسبوع، لاختبار مدى جاهزية الجيش الإسرائيلي وتحوله من الروتين العادي إلى حالة الطوارئ، ومنها إلى الحرب متعددة الجبهات في آن واحد، ومن بين أهدافه كذلك التدريب على مواجهة مخططات إطلاق القذائف والصواريخ على المستوطنات وقواعد الجيش. التدريب الملغي كان استكمالًا لتدريب سابق بدأه الجيش في سبتمبر من العام الماضي، أُطِلق عليه تدريب "حجر العقد"، وهو تدريب تنظمه سنويا هيئة الأركان، ويحاكي قتالا في عدة ميادين على الجبهة الشمالية ، وتشارك فيه قوات من الجيش النظامي والاحتياطي، لاختبار مدى الاستعداد القتالية بالجيش، وتحسين العمل المشترك بين هيئة الأركان وبين أذرع الجيش المختلفة. هذه التدريبات التي تبدأ في سبتمبر مثلما خططت هيئة الأركان أعلن كوخافي إلغائها هذا العام بسبب تفشي جائحة كورونا، مع عودة أرقام المصابين للارتفاع مجددًا، إضافة إلى أزمة الميزانية التي تعاني منها إسرائيل، لعدم إقرار موازنة العام 2020 حتى الآن، وكذلك حاجة التدريب لملايين الشواقل، فيما تضغط أزمة كورونا على اقتصاد الدولة. كورونا بالجيش إلى ذلك تقرر دخول أفراد الكتيبة 90 نحشون (التابعة للواء كفير المتمركز بالضفة الغربية) إلى العزل في قاعدة عسكرية بمرتفعات الجولان، بعد اكتشاف إصابة إحدى المجندات بفيروس كورونا، وحضرت مع مجندين آخرين حفل عيد ميلاد أقامه جندي بالكتيبة، وبعد الكشف عن الواقعة تم فحص جنود الكتيبة وتبين إصابة عدد ممن شاركوا بالحفل، ومن المرجح أن يُقدم المشاركون في الحفل إلى محاكمة خاصة بعد انتهاء العزل. هذا وقد أعلنت قيادة أركان الجيش دخول أفيف كوخافي وعدة ضباط آخرين العزل، وهي المرة الثانية التي يدخل فيها رئيس الأركان للعزل خلال ثلاثة أشهر، ودخل وزير الدفاع بيني جانتس نفسه إلى العزل يوم الأربعاء الماضي، بعد مخالطتهم مصابي كورونا. جدير بالذكر أن دخول كوخافي العزل جاء بعد نجاته من حادث تحطم مروحية عسكرية كانت تقله من مبنى الكنيست إلى قاعدة للجيش، حيث تعطل أحد مُحركيها. بسبب وباء الكورونا يعاني الجيش الإسرائيلي على مستوى صحة أفراده، إضافة إلى المعاناة الاقتصادية الكبيرة، حيث لم يستطع كوخافي حتى الآن المضي قدمًا في خطته متعددة السنوات "تنوفاه" التي صاغها لتطوير الجيش، بسبب الخلاف السياسي الذي عطل الحكومة عامًا ونصف، ثم وباء كورونا الذي يضغط على الجيش بشكل كبير، حتى أن وزارة المالية تناقش مع كوخافي سبل تحقيق تقليصات إضافية في المصروفات، تشمل إلغاء مكافآت العطلات السنوية للموظفين الدائمين بالجيش هذا العام، وكذلك مكافآت المُدرِسات المُجندات بسلاح التعليم، ناهيك عن تجميد مشاريع أخرى يتطلب تنفيذها مليارات الشواقل. مشاورات حول ميزانية الجيش من المقرر أن تبدأمشاورات حول ميزانية وزارة الدفاع هذا الأسبوع، وعلى ما يبدو ستكون الميزانية المقترحة لمدة عام واحد فقط، أي ستتقرر ميزانية تكفي نهاية هذا العام، وتبدأ المشاورات بين قيادة الجيش ووزارة المالية بينما يقف الطرفان على مسافات بعيدة، مع وجود فجوات مالية كبيرة، حيث يطالب الجيش ببقية مما تقرر له سابقًا من ميزانية كانت مخصصة لتنفيذ خطة التطوير السابقة "جدعون" التي وصلت هذا العام إلى سنتها الخامسة والأخيرة، وتقدر هذه النسبة المتبقية بنحو 32 مليار شيقل، لكن في المقابل تطالب وزارة المالية بأن يضغط كوخافي لتحقيق مزيد من التقليصات على ميزانية هذه الخطة. يواجه الجيش عجزًا زيد عن 20 مليار شيقل، حتى قبل أزمة كورونا، وبالنسبة للخطة الجديدة "تنوفا" التي لم تتم الموافقة النهائية عليها بعد، يبدو أن طموح رئيس هيئة الأركان سوف يصطدم بالتأكيد بما تقدمه وزارة المالية، التي تقترح على كوخافي تحقيق مزيد من التقليصات، تصل إلى نحو 2.5 مليار شيكل، بما في ذلك إلغاء المكافآت السنوية للموظفين الدائمين، وتُقدر بنحو 100 مليون شيقل. مكافأة الموظفين الدائمين مُحددة سلفا، وتعتبر بندًا شبه ثابت في ميزانية الجيش، وتوفر للموظفين تكاليف قضاء عطلة سنوية بفندق إسرائيلي ذي مستوى راق، وبدعم كامل للمتزوجين منهم، وهذه المكافأة مخصصة للموظفين غير المقاتلين بالجيش، ويبدو أن قيادة الجيش مستعدة للموافقة على إلغاء مكافأة هذا العام، إضافة إلى تجميد مشاريع التعليم بالجيش، والتي تُكلف عشرات الملايين من الشواقل. لكن الجيش في المقابل يطالب بما تبقى من الميزانية المخصصة لهذا العام، والتي تقررت لأجل تنفيذ خطة التطوير "جدعون"، بموجب اتفاق سابق بين وزير المالية السابق موشيه كحلون، ووزير الدفاع الأسبق موشيه يعالون، وهو الاتفاق المعروف بـ "اتفاق كحلون- يعلون" لميزانية الجيش خلال السنوات 2016- 2020. لذلك جاء قرار كوخافي بإلغاء تدريب الجيش في سبتمبر المقبل، إضافة إلى تجميد العمل في العديد من مشروعات البنى التحتية التي تتكلف مئات الملايين من الشواقل، ومنها إعادة بناء قاعدتين للواء جفعاتي ولواء ناحل. الصراع السياسي للديوك الخلاف المنتظر بين وزارةالمالية ووزارة الدفاع يتعلق كذلك بشخصي الوزيرين القائمين، فوزير المالية يسرائيل كاتس عضو بحزب هاليكود، ووزير الدفاع بيني جانتس رئيس حزب كاحول لافان، وكلا الحزبين يقفان لبعضهما كاثنين من الديوك النافرة، مما يقلل من فرص الوصول إلى اتفاق مُرضي للطرفين. ومع ذلك خرج المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي ليعلن "عدم التطرق لموضوع ميزانية الجيش الإسرائيلي أمام الإعلام، ولكن سيكون الأمر داخل الغرف المغلقة، بما يناسب الصالح العام". مناورات عسكرية رغم الأزمة وقبل الإعلان عن إلغاء التدريبات في سبتمبر، بسبب الأزمة المالية والوباء، فإن الجيش الإسرائيلي قد أجرى تدريبا خلال الشهر الماضي، شارك فيه نحو 500 جندي مقاتل من وحدات الإخلاء والإنقاذ، باستخدام مروحيات وطائرات نقل عسكرية، لمحاكاة التعامل مع إصابة عمارات سكنية في تل أبيب بصواريخ مباشرة. وشملت التدريبات محاكاة التعامل مع دمار مضاعف وتخريب شديد، وحصار عشرات المدنيين بين قتلى وجرحى تحت الركام، بفعل صواريخ تحمل مواد ناسفة مثل التي توجد في قطاع غزة أو في لبنان. وقبل هذا التدريب قام رئيس الأركان بزيارة إلى وحدة "إيجوز" (اللوز) للكوماندوز المتمركزة في جبل الشيخ بالجزء الشمالي، وتتبع لواء جولاني، واستعرض كوخافي خلال زيارته خطة تدريب لأفراد الوحدة، لمواجهة التهديدات ، وإحباط الهجوم من الشمال، كما تابع رئيس الأركان تدريبًا بالنار الحية يحاكي قتالا على الجبهة الشمالية.

Tuesday, July 07, 2020

قانون كورونا الكبير.. الكنيست يوافق على قانون تجاوز الحكومة للسلطة التشريعية


·      

 منشور على شبكة رؤية الإخبارية اضغط هنا للانتقال

   بالقراءة الأولى، وافق الكنيست الإسرائيلي على "قانون تجاوز الكنيست"، الذي بموجبه يمكن للحكومة تمرير قرارات حاسمة دون الحصول على موافقة الكنيست، تحت مبرر "توفير الوقت"، وكذلك يُمكِن القانونُ للحكومةَ تعديل لوائح أساسية دون انتظار موافقة الكنيست.
   يتضمن القانون بنودًا مثل إعلان حالة الطوارئ بسبب كورونا، وسلطة الحكومة في تنفيذ اللوائح التي يمكن أن تحد بشكل كبير من أنشطة اقتصادية في المجالين الخاص والعام، وتقييد التحركات في بعض الأماكن، وتقييد الأحداث والفعاليات، وأنشطة المؤسسات التعليمية والترفيهية، وكذلك تحركات وسائل النقل العام، ويمكن للقانون أن يمنح للحكومة الحق في إعلان منطقة ما في إسرائيل باعتبارها "منطقة محظورة" مع فرض قيود على الدخول والخروج منها، بسبب تفشي الكورونا.

   كما جاء في مشروع القانون أن للحكومة أن تحدد مدى انتهاك أحكام اللوائح والمخالفات الإدارية، والغرامات المفروضة على انتهاك قرارات مواجهة الوباء، في ضوء الظروف الحالية، وحالة الطوارئ المستمرة منذ ثلاث أشهر.
   ينص القانون على أنه بمجرد سن هذه اللوائح؛ سيتم عرضها للموافقة السريعة عليها من قِبل اللجنة المعنية بإدارة أزمة الكورونا، ولا تتطلب موافقة الكنيست بكامله عليها، وتصبح هذه اللوائح والقرارات سارية المفعول على الفور، ولا يمكن للجان الكنيست أن تلغيها إلا بأثر رجعي.
   نقاش صاخب بالكنيست، بعد أن قدمت الحكومة طلبا بتمرير قانون يمكنها من تمرير قوانين بمفردها دون انتظار موافقة الكنيست، تحت مظلة حالة الطوارئ القائمة في إسرائيل بسبب أزمة كورونا، يهدف القانون للإسراع بإصدار الحكومة لقراراتها المصيرية العاجلة وعدم الانتظار لمسار تشريعي طويل، بدءا بعرض مقترح القانون على اللجنة المختصة، ومناقشته في جلسات استماع، وإبداء آراء وتحفظات، واستهلاك مزيد من الوقت في المداولات والتعديلات، ثم عرضه على الجلسة العامة للتصويت عليه بالقراءة الأولى، ثم القراءتين الثانية، والثالثة النهائية.
    في جلسة الكنيست التي انعقدت يوم الإثنين في مطلع الأسبوع صوتت فيها المعارضة على رفض القانون الذي أثار ردود أفعال صاخبة، وفي الأخير وافق على القانون بالقراءة الأولى 47 عضوًا، وعارضه 34 عضوًا، وبعد تمرير مشروع القانون اجتمعت لجنة الكورونا بالكنيست لمناقشة سرعة تمرير القانون بالقراءتين الثانية والثالثة.
اجتمعت لجنة "الدستور والقانون والقضاء" لمناقشة مشروع القانون الذي قدمته الحكومة قبل تحويله للمناقشة في الجلسة العامة، وحضر الاجتماع وزير القضاء آفي نيسنكورن (عن كاحول لافان)، والذي زعم أمام اللجنة أن القانون "يهدف لمواجهة الواقع الحالي الذي فرضه تفشي وباء الكورونا، فمن ناحية نحن إزاء وضع طوارئ يخلق واقعًا خاصًا في إسرائيل والعالم كله، ومن ناحية أخرى تضع الحكومة نصب أعينها ضرورة الحفاظ على الحقوق الخاصة للأفراد وعلى الديمقراطية، ومن هنا جاء مشروع القانون الذي يوازن بين ضرورة التحرك سريعا، وبين ضرورة الإشراف البرلماني".
   مشروع القانون بهذا الشكل يسمح لحكومة نتنياهو بوضع قيود على الكنيست تعطله عن أداء دوره التشريعي في سن القوانين، ويمنح هذا الحق للحكومة التي تتحرك تحت شعار "حكومة الطوارئ"، وهذا ما يعطي ضوءًا أخضر لنتنياهو للمضي قدمًا في زعامته السلطوية للحكومة ولإسرائيل في ولايته الخامسة، ويسعى بيبي لتمرير القانون بسبب ارتفاع أعداد المصابين بفيروس كورونا المستجد، بعد أن قررت الحكومة عودة دورة الحياة الطبيعية، خشية إصابة الاقتصاد الإسرائيلي بمزيد من العطب والتراجع.
ارتفاع مقلق لأعداد المصابين
   جاء مشروع الحكومة لتمرير القانون المحيد للكنيست بعد أن أعلنت وزارة الصحة الإسرائيلية ارتفاع أعداد المصابين بالفيروس بشكل مقلق إلى حد كبير، وقدرت أنه بعد 24 يوما يُحتمل أن تصل أعداد المصابين إلى نحو 8000 في كل يوم، ونحو 60 ألف مريض في المجمل، بمن فيهم المصابين الذين يتلقون العلاج بالمستشفيات، واحتمالية ارتفاع أعداد الموتى جراء الفيروس، بسبب كبر السن أو الأمراض المزمنة، أو عدم قدرة المنظومة الصحية على تحمل هذه الزيادة في أعداد المصابين.
تحرك نتنياهو لمواجهة خطر الموجة الثانية للوباء
    مما حدا بحكومة نتنياهو إلى إعادة فرض بعض القيود على الحركة، والإعلان عن ضوابط جديدة للتجمعات، حيث أعلن نتنياهو قرارات الحكومة التي دخلت حيز التنفيذ فورا، وتشمل عدم زيادة أعداد الحضور في القاعات والملاهي الليلية ودور العبادة عن 50 فردًا، وبالنسبة للأماكن المغلقة لا يزيد عدد المتجمعين عن 20 فردًا، مع تشديد تطبيق القوانين على التجمهرات في الأماكن العامة، والتشديد على ارتداء الكمامات، وفرض غرامات على من يخلعها.
   وكان نتنياهو قد تحدث في الأسبوع الماضي خلال مؤتمره الصحافي عن الإجراءات الحكومية العاجلة لإعادة بعض القيود بعد الزيادة المقلقة في أعداد المصابين، كما تطرق إلى مشكلة بطء اتخاذ القرارات المصيرية السريعة في وقت الأزمة، ودعا إلى تشريع يؤمن للحكومة اتخاذ قرارات فورية في ظل حالة الطوارئ الحالية.
رفض المعارضة للقانون: إغلاق المسرح
   في المقابل رفض أعضاء الكنيست من المعارضة مشروع القانون بشكل قاطع، ففي كلمته هاجم يائير لابيد، زعيم المعارضة، رئيس تكتل ييش عاتيد-تيلم القانون، واعتبر أنه يعني "إغلاق هذا المسرح (يقصد الكنيست)، وعودة الجميع إلى ديارهم، فلم يعد هناك كنيست يُشرع، يتبقى فقط سلطة تنفيذية واحدة في إسرائيل"، وأضاف لابيد: "المشكلة ليست في الوقت، ليست في الأدوات، المشكلة في الأساس هي في الحكومة التي يجلس فيها أشخاص لا يتحملون بعضهم البعض، المشكلة الأساسية لديكم تتمثل في وجود رئيس وزراء فشل في مواجهة الكورونا ويدفع مواطنو إسرائيل ثمن هذا الفشل الرهيب".
نتنياهو = أردوغان
   من جانبه، رد عضو الكنيست المعارض، رئيس حزب ميرتس، نيتسان هورفيتش، على مشروع "قانون الكنيست الكبير" بأن نتنياهو " يعمل كديكتاتور، ويستغل الوضع لتحييد رقابة الكنيست، ولانتهاك حقوق الأفراد، وفشله في مواجهة كورونا يثبت ضرورة إشراف الكنيست على أداء الحكومة، وليس العكس، ومن المؤسف أن حزب كاحول لافان يتعاون مع نتنياهو، ويسمح له بأن يتصرف مثل أردوغان"، في تشبيه لمساعي نتنياهو للسيطرة على الدولة مثلما يسعى رجب طيب أردوغان للسيطرة على السلطات كافة في تركيا.
ديكتاتورية برعاية كورونا وجانتس
   أما ميراف ميخائلي عضو الكنيست عن حزب هاعفودا (المشارك في الحكومة) فقد صرحت ردًا على تقديم القانون بأن نتنياهو "اشتكى دائمًا بأن الديمقراطية تزعجه بشدة، وحان الوقت لأن يلغيها، فالحكومة لم تغلق فقط الملاهي ودور العبادة وقاعات المناسبات، وإنما أغلقت أيضًا كنيست إسرائيل، إنها إمبراطورية نتنياهو برعاية كورونا وجانتس".
تشريعات اختطاف في زمن الفوضى
   الدكتور عمير فوكس الباحث بالمعهد الإسرائيلي للديمقراطية، ومدير برنامج حماية القيم الديمقراطية بالمعهد، أشار إلى أن القانون يمثل "صورة من تشريعات الاختطاف التي تمكن الحكومة من فرض قيود إضافية دون موافقة مسبقة من لجان الكنيست، وهذا مثال آخر على الفوضى التي تثيرها الحكومة، والتي تدل على عدم قدرتها إدارة أزمة كورونا والسيطرة عليها، وهذا القانون يمنح للحكومة حرية واسعة للغاية دون أي رقابة برلمانية ".

Mohammed Abd El-Dayem Hendam .
Writer, Freelance Journalist, Academic, Lecturer of Modern Hebrew Language and Literature, Faculty of Arts, Mansoura University 
محمد عبد الدايم هندام، كاتب، صحفي حر، أكاديمي، مدرس اللغة العبرية الحديثة وآدابها، كلية الآداب، جامعة المنصورة، 
مصر
https://twitter.com/MoHendam



قصيدة إلى شاعر فلسطيني


 للي تسيفي ميخائلي

قصيدة إلى شاعر فلسطيني

ترجمة من العبرية: محمد عبد الدايم


"عزيزي طارق،
أقدمُ لك قصيدتي مثل قطعة لحمٍ داميةٍ من طرف جسدي الممزق.
منتصف الليل يضعُ حدًا بيننا.
تزعم "أنا من هنا" وتسألني
من أين أنتِ؟ من أين أنتِ؟
ألا تعيشين على أرضي
روح تجرف لي سنوات أجيجي بهذه الدولة الوحشية
التي تسوق قدمايَ لأتجول مع عالَم يُرضعني
من ثدي أمي الأرض
أنا؟ أتريد أن تعرف من أين أنا؟
أنا من هنا
نعم، أنا من هنا، أبًا عن جد. أنا من هنا منذ التاريخ الملكي الغابر.
منذ أن أُعدِم أخوتي في كل نقطة على خريطة العالم
أتعرف التاريخ؟
أتعرف ماذا كان هنا قبل أن تطأ هذه الأرض؟
قبلما يحرث أبوك هذه الأرض؟
تزعم أنهم أخذوا منكم أراض. صحيح، أخذوا. وعلى المستوى الإنساني آسفة
هذا يؤلمني وأنا أدرك مدى الجرح. لكن سامحني
لأني مُضطهدة فطلبت أن أعود إلى أرضي الآمنة.
يهوديةٌ أنا. هذه أرضي الوحيدة.
كلما ارتحلتُ بعيدًا طاردني آخر، دينٌ آخر.
مشيت فاقدة اليقين، منزوعة من الأرض.
ربما هذا وطنك، لكنه بالنسبة لي الماء، التراب، الحجر والكلس الذي يعود لـ 5000 عام.
هنا جرى التعرف عليّ. هنا تحدد مصيري لأجيال. من هنا طُرِدت. إلى هنا تضرعتُ. تلهفتُ.
أخفيت هويات في المنفى لأنجو. لألتحق بالرعاع من الشعب الذين تبقوا لي.
حصلت على تأشيرة إلى هنا كي أخرج بينما قالوا لي في الاتحاد السوفيتي "تصبحين على خير"
وعلى أية حال، حزنك هو حزني.
كيف كان نومكِ؟ تسألني عبر واتساب قبيل الصباح، قبل أن تشرق الشمس.
حُلمي كان يطوف العالم. عَبَر محيطات، وأودية وكرومًا.  قفز فوق أسوار، واتفاقيات وتمزقات حروب.
عدم المغفرة تحدث بلغاتٍ أجنبية. الحب فحسب كانت له لغة واحدة.
تطاردني الظلال أيضًا. أنا أيضًا ضحية تضع قناع المنتصر.
اكتب، أيها الشاعر! اكتب كل شيء!
أذرف دمعي في مدادك وبدمعك أُشَكِل نصي.
الشعر هو الاستقلال الوحيد الذي بقي لنا في العالم الذي يزداد قتامة.
قطعة الحرية الوحيدة. المكان الحصري. الغوث الحصري. حتى وأنت غير معتاد على الخلاص.
رغم ذلك أنت أناركيٌ يؤمن بيده التي بها ندبة وروحه التي بها محبة.
مستعد لمقابلتي حتى وأنا عدوتك التاريخية؟
كيف نمتَ يا صديقي؟
هل أكلتَ؟
ماذا تفعل الآن؟
ماذا تفعلين؟
الآن أنا أعزف على البيانو، انظر
أنا أعزف بالناي، اسمعي
سنتحدث
سنتحدث."



لالي تسيفي ميخائلي شاعرة إسرائيلية، ولدت في جورجيا عام 1964، هاجرت وهي في سن السابعة من عمرها إلى إسرائيل.
نشرت ستة دواوين شعرية حتى الآن، وحضرت في مهرجانات شعرية دولية، وتُرجمت دواوين لها إلى لغات أجنبية، ويقدر نقاد شعرها بأنه مبتكر، وتتناول في قصائدها رؤية للعالم والإنسان المعاصر، وتعتبر الشعر تحركًا "ثوريا إنسانيا".
إلى جانب الشعر تعمل ميخائلي بالتدريس في جامعة بن جوريون.


Mohammed Abd El-Dayem Hendam .
Writer, Freelance Journalist, Academic, Lecturer of Modern Hebrew Language and Literature, Faculty of Arts, Mansoura University 
محمد عبد الدايم هندام، قاص، صحفي حر، أكاديمي، مدرس اللغة العبرية الحديثة وآدابها، كلية الآداب، جامعة المنصورة، 
مصر

#أبو_إياس

Saturday, June 27, 2020

الميزانية الإسرائيلية وسيناريو الانتخابات المبكرة


   
في الوقت الذي تعاني فيه إسرائيل اقتصاديًا بسبب تداعيات وباء الكورونا؛ لم يتفق طرفا الحكومة الجديدة على الميزانية الجديدة ابتداء من 2020، بينما تبرز المخاوف مجددًا من "موجة ثانية للكورونا"، وترتفع نسبة البطالة لأكثر من 20%، ومازلال المستوى الاقتصادي متدنيًا منذ مارس الماضي، في الوقت الذي يسابق فيه نتنياهو الزمن لإعلان ضم مناطق الضفة، وما يترتب على ذلك من تداعيات عسكرية واقتصادية.
   حتى الآن؛ لم يحرز الثنائي نتنياهو وجانتس تقدمًا على صعيد المناقشات المشتركة بينهما فيما يتعلق بمسألتين محوريتين: ضم مناطق الضفة الغربية، وتمرير ميزانية إسرائيل، حيث اجتمع الاثنان، رئيس الوزراء وبديله، يوم الجمعة الماضية لمناقشة النقاط الخلافية بينهما فيما يتعلق بالضم والميزانية.
   فيما يتعلق بالضم، فهي مسألة وقت، والخلاف بين نتنياهو وجانتس لا يتعلق باتخاذ الخطوة من عدمه، بل يتعلق بآليات الضم وبنوده، فنتنياهو يصر على الضم بشكل أحادي وكامل، فيما يرفض جانتس حتى الآن اتخاذ الخطوة بشكل أحادي يعرض "أمن" إسرائيل للخطر.
   بالنسبة للميزانية؛ يبدو أن الخلاف عليها أكبر من الخلاف على مسألة الضم، حتى أن بعض وسائل الإعلام، بل وحتى بعض الوزراء بالحكومة الجديدة يتحدثون عن سيناريو انتخابات جديدة، على خلفية عدم الاتفاق على اعتماد الميزانية الجديدة.
مشاورات مكثفة
   في إطار المباحثات الحكومية من أجل اعتماد الميزانية أجرى نتنياهو مشاورات مع كل من بيني جانتس، وزير الدفاع ورئيس الحكومة المناوب، ويسرائيل كاتس وزير المالية، وعمير بيرتس وزير الاقتصاد، إلى جانب مشاورات اقتصادية مع كل من مسئولي وزارة المالية مع رئيس المجلس الاقتصادي القومي آفي سمحون، والمديرة العامة لوزارة المالية قيرن ترند، والمحاسب العام روني حزقياهو ورئيس هيئة الميزانيات شاؤول مريدور، بعد تلقيه معلومات حول الأداء الاقتصادي، ومدى تأثر إسرائيل بتفشي وباء الكورونا.
ميزانية سريعة أو الالتزام بالاتفاق
   يدفع نتنياهو لتمرير ميزانية "سريعة" خلال شهر يوليو القادم من أجل تلبية الاحتياجات الاقتصادية الملحة الناتجة عن أزمة كورونا، ثم العمل على تمرير ميزانية أخرى في وقت لاحق، أي أن نتنياهو يدفع لاعتماد الميزانية الجديدة مُجزأة.
   في المقابل يرفض بيني جانتس تقسيم الميزانية التي تعتمدها الحكومة، لما يحمله الأمر من تداعيات اقتصادية، والأهم من هذا لما يحمله هذا التوجه من نتنياهو للتملص من اتفاقه الائتلافي مع جانتس، فتمرير ميزانية لعام واحد فقط يمكن أن يؤدي إلى عدم وصول جانتس إلى منصب ريس الحكومة مثلما جاء في الاتفاق الثنائي مع نتنياهو، بأن يبقى الأخير لمدة عام ونصف على أن يخلفه جانتس لعام ونصف آخرين، لكن الآن يدفع نتنياهو لتمرير ميزانية خلال فترته كرئيس للحكومة، مما يثير التكهنات بأنه يمكن أن يُخل باتفاقه مع جانتس ويعلن حل الحكومة بعدها، وعندئذ يتبخر حلم جانتس في رئاسة الحكومة الحالية.
   من بين بنود الاتفاق الائتلافي بين هاليكود وكاحول لافان أن تلتزم حكومتهما باعتماد ميزانية للعامين 2020- 2021 في خلال 90 يومًا، أي في موعد أقصاه 15 أغسطس القادم، ورغم هذا يتحرك الآن حزب هاليكود لتمرير ميزانية لعام 2020 منفردة، أي لمدة 4 أشهر فقط، وهو الأمر الذي يدفع الطرفين لمحادثات جديدة من أجل اعتماد ميزانية 2021.
غياب الثقة السياسية
    يرى المراقبون لأداء الحكومة الإسرائيلية الجديدة أن أي نقاش بين طرفيها، نتنياهو وجانتس، هاليكود وكاحول لافان، يرفع من فرص حل الحكومة والدعوة لانتخابات جديدة، لأن نتنياهو من الأساس، وحتى اللحظة، لا يرى في بني جانتس رجل سياسة متمرس يمكن الاعتماد عليه، أو يستطيع أن يقود الدولة، فيما يظل جانتس حتى الآن غير واثق في تحركات نتنياهو، باعتباره يعمل فقط من أجل التملص من المحاكمة وإدانته بالفساد، ومن أجل الحصول على مجد شخصي.
   الأمر إذّا يرجع لغياب الثقة السياسية لكل طرف في الآخر، فنتنياهو وحزبه يدفعان لتمرير ميزانية سريعة لمدة أربعة أشهر، تحت مبرر موافاة المتطلبات الاقتصادية العاجلة التي نجمت عن أزمة كورونا، فيما يصر كاحول لافان على الالتزام بالاتفاق الائتلافي الذي وقعه الطرفان، بتمرير ميزانية 2020- 21.
    تحول المشاورات الحكومية حول الميزانية من أمر اقتصادي بحت إلى أمر خصومة سياسية دفع بيني جانتس لكتابة منشور على صفحته على حساب فيسبوك يقول فيه إن المباحثات حول الميزانية "أمر مهني متخصص يؤثر على كل فرد بإسرائيل، ولا يجب أن يتحول إلى أداة سياسية أو مسألة شخصية".
الخوف من زيادة المطالب
    تخوف إضافي لكاحول لافان يتمثل في أن يستمر النقاش حول الميزانية لوقت أكبر، مع مطالبة كل وزارة بنصيب لها، وهو الأمر الذي يمكن أن يثير نقاشات متشعبة، مع الزيادة المفرطة في عدد وزارات الحكومة الجديدة، التي تتكون من 35 وزارة، وهو العدد الأكبر في تاريخ إسرائيلن وفي حالة اعتماد ميزانية مُجزأة لعام 2020 فقط، سوف يتجدد النقاش وتزداد مطالب الوزارات مرة أخرى في العام المقبل مع مشاورات اعتماد ميزانية 2021.
مسئولو المالية في صف هاليكود
    في المقابل يصر نتنياهو حاليًا على تمرير ميزانية للعام 2020 أولا، مع اعتماده على موافقة مبدئية من المحاسب العام لوزارة المالية روني حزقياهو ورئيس هيئة الميزانيات شاؤول مريدور، حيث اتفق الثنائي على خطر المجازفة بالانتظار أكثر حتى الموافقة على ميزانية للعامين 2020- 21، فإسرائيل تعاني اقتصاديًا، ولا يمكن أن تنتظر أكثر من هذا لمعالجة آثار الوباء.
الغريب في الأمر أن شاؤول مريدور رئيس هيئة الميزانيات كان في البداية موافق على وضع ميزانية لعامين، وعكف على تنفيذ بنودها بالفعل، لكنه أصبح الآن موافقًا على مشروع الميزانية المُجزأة الذي يدفع به نتنياهو وهاليكود، مع وجود يسرائيل كاتس كوزير للمالية، والذي يمكن أن يوجه مسئولي الوزارة للموافقة على مشروع حزبه هاليكود.
   مبرر مسئولي وزارة المالية ومن ورائهم هاليكود لتمرير ميزانية سريعة؛ أن الأمر يستلزم شهرًا من الوزارة لعداد الميزانية وتقديمها للحكومة، التي يلزمها هي الأخرى شهرًا للموافقة على الميزانية، ثم تُحال إلى الكنيست للتصويت عليها بالقراءة الأولى، وهنا ستُحال إلى لجان مختصة لمناقشة بنودها لمدة تصل إلى ستة أسابيع، قبل أن تعرض مجددًا على الكنيست بكامل هيئته للتصويت النهائي بالقراءتين الثانية والثالثة.
   جدير بالتذكير أن حكومة نتنياهو السابقة قد اعتمدت ميزانية العامين 2015- 2016 معًا في أوائل نوفمبر من العام 2015، أي قبل نهاية عام الميزانية الأولى بشهر واحد، لكن حاليًا، تحت وطأة كورونا، يدفع نتنياهو لتمرير ميزانية 2020 سريعًا.
   في المقابل يضغط كاحول لافان للالتزام باتفاق الائتلاف، بأن يتم اعتماد الميزانية للعامين معا خلال 90 يومًا، ورغم أن هذه الفترة الزمنية تبدو غير واقعية للاتفاق مع هاليكود على كامل بنود الميزانية؛ فإنهم على الأقل يرغبون في تمرير الصورة الأولى للميزانية خلال الفترة المتفق عليها.
   من المهم أيضا الإشارة إلى أن وجود قانون أساس بالكنيست ينص على حل الحكومة إذا لم تعتمد قانون الميزانية خلال 100 يوم من تنصيبها، لكن هذا القانون نفسه أضافت إليه الحكومة بندًا يسمح لنتنياهو بالبقاء رئيسًا حتى الانتخابات القادمة، إذا لم يتم تمرير ميزانية 2022 في موعد أقصاه 1 يوليو 2022.
   بالنسبة للمسئولين المهنيين في وزارة المالية؛ تبدو مسألة اعتماد ميزانية عامين معا "وصفة غير مُحببة"، بل وجالبة للمتاعب، لأنه لا يمكن التوقع بشكل كامل لإنفاق الدولة وإيراداتها، خصوصًا في ظل الظروف العالمية المتقلبة.
مواجهات بالتصريحات
   من جانبه؛ هاجم وزير الاستخبارات إيلي كوهين رفض كاحول لافان لمشروع ميزانية 2020 الذي قدمه هاليكود، وقال الوزير، الذي حمل سابقًا حقيبة الاقتصاد والصناعة، أنه يجب "الاتفاق على قانون ميزانية العام الواحد في ظل عدم اليقين الاقتصادي الهائل الناتج عن تداعيات أزمة كورونا"، وأضاف في تصريحات لجريدة معاريف بأن "جميع المسئولين المختصين يؤيدون مشروع هاليكود لميزانية العام الواحد، لكنهم في كاحول لافان يرفضون الأمر لاعتبارات سياسية وخوفًا من سيناريو انتخابات جديدة مبكرة، وهي أمر غير مؤكد على الإطلاق".
   في المقابل؛ صرح عمير بيرتس، وزير الاقتصاد الحالي، ورئيس حزب هاعفودا، إنه "يجب الالتزام بما تم الاتفاق عليه بوضع ميزانية العامين معا، ولا يمكن التنازل عن كل شيء لنتنياهو"، وأضاف بيرتس أن "ميزانية العامين تُولد اليقين الاقتصادي، ويمكن في حدودها الآمنة وضع آليات للتعديل عليها مقدمًا في بداية العام 2021"، وهذا ما جاء في البند 30 من اتفاق الائتلاف بين هاليكود وكاحول لافان.
   أما محافظ بنك إسرائيل، أمير يارون، فيبدو أنه لا يرغب في الدخول مباشرة في ساحة الصراع السياسي، لكنه صرح أنه يفضل "مرونة الميزانية لتجنب الحاجة لالتزامات طويلة الأجل".
الكورونا تحدد الميزانية
   الآن، في ظل الحديث عن "موجة ثانية من الكورونا في إسرائيل" يبدو أن مشروع الميزانية السريعة لعام 2020 هو الأقرب للتمرير، بما يخدم توجه هاليكود، خصوصًا وأن الوباء دفع الحكومة لصرف مليارات الشواقل فوق الحدود المسموح بها في ظل حالة الطوارئ المفروضة، وفي ظل غياب قانون الميزانية المعتمدة.
   يُضاف إلى هذا الإلحاح المتواصل من الجيش الإسرائيلي على زيادة الميزانية، من أجل تنفيذ بنود الخطة الجديدة متعددة السنوات "تنوفا"، وكذلك تحسبًا لزيادة الاستعدادات الامنية والعسكرية لمواجهة ردود الأفعال على خطة الضم.

Sunday, June 14, 2020

مع اقتراب موعد التنفيذ: أبعاد خطة الضم وتداعياتها


تقرير منشور على موقع شبكة رؤية الإخبارية اضغط هنا للانتقال
   الجدل الكبير الدائر في إسرائيل حاليًا لا يخرج عن ثلاثة سياقات، أولها مستوى الخلاف بين جناح نتنياهو وجناح جانتس في الحكومة الجديدة، ومتى ستتجه إسرائيل لانتخابات جديدة، والثاني تداعيات كورونا وخطوات العودة للحياة الطبيعية، والثالث هو ضم مناطق بالضفة وغور الأردن.
   السياقات الثلاثة مرتبطة ببعضها بشكل كبير، فالجميع يتحدثون عن الخلافات بين نتنياهو رئيس الوزراء وبين جانتس وزير الدفاع ورئيس الوزراء المناوب، بعد اتفاق التناوب الذي أثمر عن حكومة مكتظة مترهلة غير محدد فيها صلاحيات كل وزير بشكل دقيق، لكنها حكومة تستنزف الكثير من ميزانية إسرائيل في الوقت الذي تبحث فيه الدولة تعويض الخسائر الناتجة عن تفشي كورونا، وفي الوقت نفسه تنتظر اللحظة المناسبة بعد السيطرة على الوباء كي يعلن نتنياهو رسميا ضمه لأراضي الضفة وغور الأردن، وهي خطوة تحمل تداعيات سياسية، وعسكرية واقتصادية بالنسبة لإسرائيل التي تواجه حاليا عجزًا حكوميًا يصل إلى نحو 80 مليار شيقل، يعرقل خطط تطوير الجيش الإسرائيلي.
تسارع سياسي وزخم واجتماعي
   تسريبات شبه يومية، حوارات صحفية، جس نبض، واستطلاعات رأي، محادثات هاتفية مع أطراف دولية، وبالونات اختبار، كل هذه الانفعالات وأكثر خلال الفترة الأخيرة، وتحديدًا منذ الاتفاق على تشكيل الحكومة بين نتنياهو وجانتس، من أجل تمرير خطة الضم أحادية الجانب.
   خرجت مخططات تشير إلى ضم "تدريجي" لأراضي الضفة، يبدأ بالكتل الاستيطانية الكبرى معاليه أدوميم (مقامة على أرض أبوديس) وجوش عتسيون (في جبل الخليل) وأريئيل (تقع على أراضي بلدات كلفيت، اسكاكا، كفر حارس، مردة)، بخلاف الحديث الأول عن الضم الكامل، مرة واحدة في الأول من شهر يوليو القادم، ثم تُنفى فكرة التدريج، لتعود مخططات الضم الكلي دفعة واحدة، مثلما صرحت وزيرة الاستيطان تسيبي حوتوبيلي، التي نفت صحة خرائط لخطة ضم مرحلية، بدعوى "عدم معقولية التمييز بين المستوطنات الكبيرة والمستوطنات الصغيرة".
   من جانبه؛ صرح إيلي كوهين وزير الاستخبارات، أن "فرض السيادة على الضفة من مصلحة إسرائيل، وليس هناك حديث عن إقامة دولة فلسطينية".
   مع اقتراب الأول من يوليو؛ أعلنت إسرائيل إجراء أول إحصاء للسكان في الضفة منذ عام 1967، دون تحديد معايير التعداد، أو حدوده الجغرافية، بيد أن صحيفة يديعوت أحرونوت نشرت أن التعداد سيتركز في المنطقة (ج C) التي تمثل أكثر من 60% من الضفة، وتسيطر عليها إسرائيل سيطرة شبه كاملة، وغالبيتها مخصص لصالح المستوطنات ومواقع الجيش الإسرائيلي، في مقابل إعاقة دائمة لسبل الحياة والمعيشة الفلسطينية، بهدم المباني والتهجير التعسفي والتهديد بالترحيل، وإغلاق المحلات والأسواق، وترسيخ الفقر.
   أفادت يديعوت كذلك أن التعداد يهدف لـ: "تقرير مصير الفلسطينيين المقيمين في الأراضي التي تنوي إسرائيل ضمها" وتقرير المصير يعني هنا "مصير الجنسية الإسرائيلية".
   الأسبوع الماضي، كتب يتسحاق إيلان، العسكري ونائب رئيس الشاباك الأسبق، في صحيفة يسرائيل هايوم اليمينية، مقالا يتناول مسألة "الضم" باعتبارها "مصيرًا يخص إسرائيل وحدها، ولا ينبغي لأحد أن يقرر عنها مصيرها، ولا ينبغي حتى التحرك للضم بناء على الرد الفلسطيني أو العربي أو الأوربي، وإنما يتحدد قرار الضم من خلال نظرة استراتيجية لصالح مستقبل إسرائيل."
   يدعو إيلان إذًا لعدم الخوف من رد فعل الفلسطينيين، حتى لو كان الرد يتضمن التهديد بانتفاضة ثالثة، أو تهديد الأردن بإلغاء اتفاقية السلام مع إسرائيل، أو رد فعل جدي من الدول العربية، لأن إسرائيل تأخرت بالفعل، تأخرت 53 عامًا على اتخاذ هذه الخطوة، فكان عليها أن تضم الضفة الغربية منذ يونيو 1967.
   مقال يتسحاق إيلان يعكس جانبًا من الآراء اليمينية المؤيدة للضم، وبسرعة، لتعويض "التأخر" عن اتخاذ الخطوة منذ حرب 1967، ورغم خروج مظاهرة في قلب تل أبيب تندد بمساعي الحكومة لضم الضفة؛ فلا يمكن القول أن المسألة خاضعة لخلاف كبير بين مؤيدين للضم ومعارضين له، فالصورة الأوضح تُظهر أن الخلاف بين مؤيدين وبين مُترددين أو مُتخوفين.
   فوفقًا لاستطلاع رأي نظمه "مجلس مستوطنات شمال الضفة"، ونشرته القناة الإسرائيلية السابعة، ظهر أن ما يقرب من 68% من الإسرائيليين مؤيدون لخطة الضم، فيما ترى نسبة 72% ممن شاركوا في الاستطلاع أنه لا يجب على إسرائيل ترك المستوطنات المعزولة في الضفة كـ"جيوب" محاصرة داخل المناطق الفلسطينية.
   لا يمكن أن يكون هذا الاستطلاع معبرًا عن آراء الجمهور الإسرائيلي، لأنه لم يستطلع وجهات نظر ما يقرب من نصف المجتمع، ولكنه مؤشر على التوجه اليميني المسيطر على أهواء الشارع، وخطوات الساسة، وأهداف إسرائيل التوسعية المتمثلة في الاستيطان والسيطرة على الضفة الغربية.
تقدير ردود الفعل
   الجدال الكبير الدائر في إسرائيل بخصوص خطوة الضم أحادية الجانب يتعلق بتقدير ردود الفعل الفلسطينية والعربية والدولية (الأوربية تحديدًا)، فالسلطة الفلسطينية أعلنت إنها سوف تقدم على خطوات تصعيدية للرد على الضم، وتبدأ بإلغاء التنسيق الأمني مع الحكومة الإسرائيلية، فيما حذرت الأردن من أن الضم سيدفعها للتفكير في إلغاء اتفاقيات السلام مع إسرائيل، أما الإمارات العربية فقد حذرت هي الأخرى ، على لسان يوسف العتيبة سفيرها لدى الأمم المتحدة،  إسرائيل من اتخاذ خطوة الضم، وخيرتها ما بينه وبين إمكانية التطبيع العربي مع إسرائيل، كما حذر العتيبة من أن الضم سيؤدي للعنف، وسيؤثر على المنطقة بأسرها.
   أما الاتحاد الأوربي فقد حذر إسرائيل أكثر من مرة من هذه الخطوة في الوقت الحالي، وأرسل لها تحذيرات مبطنة وظاهرة، منها موافقة بعض دُوله على الاعتراف بدولة فلسطين، أو إصدار عقوبات ضد إسرائيل، وآخر التحذيرات جاءت على لسان وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، الذي أعلن خلال لقائه بنظيره الإسرائيلي جابي أشكنازي، تخوف ألمانيا والاتحاد الأوربي من هذه الخطوة التي لا تتوافق مع القانون الدولي، ورغم أن الاتحاد  الأوربي في قمة ضعفه خلال هذه المرحلة الراهنة؛ فإنه لا يمكن لإسرائيل أن تراهن على هذا الضعف وحده كي تستمر في مخططات الضم، خصوصًا وأن دول الاتحاد أظهرت تباعًا ردود أفعالها على إعلان الخطة، فبخلاف زيارة وزير الخارجية الألماني، أجرت ميركل اتصالا بنتنياهو لتستوضح منه نوايا حكومته، وتحذره من الخطة، كذلك فعل الرئيس الفرنسي، بل ومن خارج الاتحاد الاوربي أيضا، حيث حذر رئيس الوزراء الكندي من عواقب الضم، كما التقى أشكنازي بمبعوث الأمم المتحدة للشرق الأوسط، نيكولاي ميلادينوف، ناقشا فيه "صفقة القرن" وخطة الضم التي يعارضها ميلادينوف، وأعلن التزام الأمم المتحدة بحل الدولتين.
مستجدات قد تعرقل الخطة وطموح نتنياهو
   مخطط نتنياهو لضم الضفة من المفترض إعلان تنفيذه رسميًا في يوليو القادم، كان هذا التقدير الزمني قبل حدوث تفشي وباء الكورونا، وقبل الاضطرابات الكبيرة التي تزلزل الولايات المتحدة وتقلقل إدارة ترامب الراعي الأول لإسرائيل.
   لن تقدم إسرائيل عمليا على الضم بدون دعم الإدارة الأمريكية، ونقلت وسائل إعلامية أن إدارة أوباما تريد أولا الحصول على موافقة من بيني جانتس وجابي أشكنازي، كي تضمن أن معظم التيارات السياسية الحاكمة في إسرائيل توافق على الخطة، وبالتالي تتحمل عواقب تنفيذها، إضافة إلى غموض مصير نتنياهو الذي يُحاكم أمام القضاء، والتأرجح الظاهر على الحكومة الإسرائيلية الجديدة.
   في إطار التجهيز لتنفيذ الضم، أُعلِن عن حديث هاتفي بين جاريد كوشنير، مستشار ترامب وصهره، وبين نتنياهو، وتداخل في الحديث السفير الأمريكي في إسرائيل دافيد فريدمان، ولم يُعلن عن محتوى الحديث، كما حدث لقاء بين جابي أشكنازي وزير الخارجية وبين السفير الأمريكي فريدمان، وتناولا فيه تفاصيل "خطة القرن" وخطوات الضم، وتأتي هذه المحادثات بين أفراد الإدارة الأمريكية المكلفين بـ"خطة القرن" وبين أفراد الحكومة الإسرائيلية من أجل تنسيق المواقف، وتقريب وجهات النظر بين فريق نتنياهو وفريق جانتس، من أجل الحصول على تأييد الفريقين.
   من المرجح أن نتنياهو تحديدًا يربط بين تنفيذ الضم وبين وجوده السياسي، وفي هذا الوقت لا يرغب في أن يحنث بوعده الذي وعد به، بأن يعلن ضم الضفة الغربية وغور الأردن في يوليو، لكن خطته تواجه عقبات كبيرة قبيل أسبوعين من إعلان تنفيذها، على رأسها معارضة أغلب المستوطنين أنفسهم، الحلفاء الأكثر دعمًا له، الذين يرفضون سيناريوهات إعلان دولة فلسطينية، أو تحديد الاستيطان، أو ترك جيوب استيطانية في قلب المناطق الفلسطينية.
   نتنياهو يبحث في المقام الأول عن تعزيز وجوده، وإثقال إرثه السياسي، ولا يمكن فصل مخطط الضم عن محاولاته الحثيثة للإفلات من المحاكمة والحبس، حتى لو سعى لحل الحكومة، والدعوة لانتخابات جديدة، بحجة عدم الاتفاق على موازنة الدولة.
   الآن، مع تعاظم الخلافات حول الخطة في اليمين الإسرائيلي نفسه، وردود الأفعال العربية، والتحذيرات الأوربية، وجراء الأزمة الكبيرة التي تواجهها إدارة ترامب، مع اقتراب الانتخابات، واستمرار مظاهرات رفض العنصرية، وإعلان الحزب الديمقراطي أن جو بايدن سيكون مرشحه الرسمي للانتخابات؛ والذي أعلن اعتراضه الشديد على الضم، هناك تقدير بأنه في ضوء هذه المستجدات يُحتمل أن يتأجل الموعد المُحدد للضم، والمقرر سابقًا في الأول من يوليو القادم، ومع ذلك فإن بيني جانتس، كوزير للدفاع، أعلن عن سلسلة خطوات عملية لترتيب خطوات الضم، على رأسها رفع جهوزية الجيش الإسرائيلي، كما عقد اجتماعات جمعت حزبه كاحول لافان مع رئيس الأركان أفيف كوخافي ورئيس جهاز الأمن الداخلي، لمناقشة الاستعدادات اللازمة، وفحص التوقعات بردود الأفعال الفلسطينية.
التحذير الأمني من الغضب الفلسطيني
   أمنيًا؛ بالتأكيد هناك تخوفات من عواقب الخطوة المزمع تنفيذها بعد أسبوعين، فإسرائيل تصر على اختبار قدرتها على كبح اليأس الشعبي الفلسطيني، ويخشى مسئولون عسكريون بالجيش الإسرائيلي والشاباك من ردة فعل فلسطينية قوية، ويحذر خبراء أمنيون من أن رد الفعل الفلسطيني لن يكون في الضفة الغربية وحدها، بل ستخرج غزة عن صمتها، ولن تستطيع التحكم في وتيرة الهدوء، وربما عودة البالونات المشتعلة للطيران ، وحرق الأراضي في محيط غزة إشارة للتحذير الفلسطيني أن رد الفعل على الضم سيكون سريعًا، ولن تستطع حماس والجهاد أن تكونا متفرجتين، أو على الأقل لن تستطيعا كبح الغضب الشعبي.

   هذا ومن المقرر أن يلتقي السفير الأمريكي بإسرائيل مجددًا هذا الأسبوع مع مسئولي الحكومة، لمناقشة المضي قدمًا في الخطة، على أن يفصح الأسبوعان القادمان عن مصيرها، سواء بالتنفيذ، أو التأجيل.
 #أبو_إياس